فهرس الكتاب

الصفحة 9224 من 27364

يمتد الأخطبوط التبشيري بتحالفاته السياسية الواسعة إلى قلب بلد كان يظن أنه بمنجى عن مخططات التنصير و التغريب و هو باكستان التي قامت على الإسلام لجمع شمل المسلمين، فما هي الصورة في ذلك البلد؟ و لنترك الأرقام تتحدث: ففي عام 1958 ذكر المسيحيون أن أعدادهم هناك تبلغ حوالي ثلاثمائة ألف، و قالوا إن نسبة زيادة المسيحيين خلال عشر سنوات من عام 1941 إلى 1951 بلغت حوالي 30% و كانت الزيادة في منطقة البنغال الشرقية وحدها (بنجلاديش الآن) تصل إلى 45%، و وصلت في منطقة لاهور بالجزء الغربي من البلاد إلى 50% بينما ارتفعت في مدينة كراتشي إلى مائة بالمائة.. أما في الفترة من عام 1951 ـ 1958 فقد زادت الأعداد بنسب أعلى لاسيما فيما يتصل بالمنضمين إلى المذهب الكاثوليكي.

و ترجع نشاطات التنصير إلى أواخر الأربعينات، حيث استغلت الهيئات التبشيرية حالة الفوضى السائدة عقب التقسيم و ما تبعه من متاعب و نشوء تجمع لاجئين كبير في الانتشار بين الأوساط الإسلامية و التركيز عليها. و قد ذكرت جريدة"العالم الإسلامي"التي تتبع إحدى جهات التبشير الأمريكية أن المجتمع الإسلامي قد ساده الاضطراب عام 1947 مما أدى إلى أن يصبح المسلمون أكثر تقبلاً لصداقة المسيحيين المبشرين الذين قدموا المعونات و الهداية و الإرشاد من خلال تنظيمات مثل اللجنة المسيحية لإغاثة باكستان الغربية و مقرها لاهور. و قد دعمت حكومة باكستان هذه الأعمال التبشيرية و سهلت لها نشاطاتها من النواحي المادية و المعنوية فضلاً عن تدفق الأموال من أمريكا و بريطانيا و فرنسا و إيطاليا و السويد على أكثر من أربعين منظمة تبشيرية تنشط في باكستان من خلال المؤسسات التعليمية و غيرها.

و تركز جهات التنصير في باكستان على النواحي التعليمية بعد أن استقرت هناك باستغلال الاضطراب و العَوَز الناجمين عن التقسيم. و من المؤسسات التعليمية كلية فورمان المسيحية للشباب، و كلية كينيرد للشابات، و دير عيسى و مريم للأطفال.. و كلها تدرس بالإنجليزية و مقرها لاهور. و تعتمد الحكومة الباكستانية أساليب و أنظمة و مناهج و فلسفات التعليم في المدارس و المعاهد التبشيرية كنماذج و قدوة و مثل عليا تصاغ على أسسها سياسات التعليم في المدارس الحكومية باللغتين الأردية و البنغالية؛ و لهذا السبب تتضاءل أهمية تدريس اللغة العربية و الفارسية في التعليم الحكومي و تهيمن الإنجليزية ليس كلغة فحسب، بل و ثقافة أيضاً حيث يدرس الأطفال تاريخ إنجلترا على حساب تراثهم الوطني، و لا يتعلمون أي شئ عن الإسلام أو تاريخه سواءً في الخارج أو في بلدهم الإسلامي نفسه. و تحاط دراسة المواضيع الإنجليزية بمغريات شتى تحبب التلاميذ فيها بينما تقدم مادة الإسلاميات في صورة منفرة غير متصلة بالواقع سواءً في مراحل التعليم الأولية أو الجامعية. أضف إلى ذلك أن الدراسات الإسلامية في الجامعات تقدم من وجهة نظر غربية استشراقية مما يعني أن الطلاب المسلمين يدرسون دينهم على يد أعدائه. و مما لا ينبغي إغفاله أن المدارس التبشيرية الخاصة في باكستان تعمد إلى صياغة سلوكيات الطلبة على الأنماط الغربية فتفرض عليهم الزي الأوروبي الكامل بما فيه رباط العنق الذي لا يتناسب مع حرارة الطقس، كما تقدم لهم أصناف الطعام الإنجليزي.

مواجهة النشاط التبشيري

مواجهة النشاط التبشيري في البلاد الإسلامية يجب أن تبدأ بمنع هذه التحركات المستغلة للعَوَز و الحاجة، كما لابد أن يقترن ذلك بدعوة إسلامية إيجابية و ذكية متحررة من قيود السلطة أو روتينية الوظيفة يقوم بها الأفراد و الجماعات. و من المؤكد أن الدعوة الإسلامية بين غير المسلمين لن يكتب لها النجاح عاى نطاق واسع إلا إذا قام مجتمع أو دولة إسلامية تكون بمثابة القدوة للطبيعة العملية و الممكنة للمنهج الإسلامي و تقدم البديل العملي الناجح و القائم في وجه المنهج الغربي الفاشل على تعدد أساليبه.. فمثل هذه الدولة الإسلامية الحقيقية هي الكفيلة بإنجاح جهود الدعوة كما كانت في المدينة المنورة في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام -.

و إذا كان المبشرون يعتمدون على مجال الخدمات الاجتماعية و الاقتصادية للوصول إلى الجماهير المحرومة، فلابد من دعم جهود التنمية و الوفاء بحاجات الناس الصحية و التعليمية من خلال مؤسسات إسلامية تابعة للحكومات أو الأفراد أو الهيئات، و لابد كذلك من التعرف بعمق على الفكر و العقيدة المسيحية و أوجه القصور و الضعف فيها.

ملاحظات عامة على المسيحية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت