فهرس الكتاب

الصفحة 8598 من 27364

ومن هنا، لا يلزم من الدعوة إلى الديمقراطية اعتبار حكم الشعب بديلاً عن حكم الله؛ إذ لا تناقض بينهما. فعند المسلم تعتبر الدعوة إلى الديمقراطية شكلاً للحكم يجسد مبادئ الإسلام السياسية في اختيار الحاكم وإقرار الشورى والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الجور. بمعنى آخر، عندما يطالب المسلمون بالديمقراطية، فهم يطالبون بوسيلة تساعدهم على تحقيق أهداف حياة كريمة يستطيعون من خلالها الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ولن يضرهم أبدًا أن يستخدموا لفظًا غربيًا -كالديمقراطية- فإن مدار الحكم ليس على الأسماء، بل على المسميات والمضامين.

وبالرغم من كل ذلك، فإننا لا نستطيع أبدًا اعتبار الشورى نسخة من الديمقراطية، وذلك للأسباب الآتية:

أولاً: الشورى لها حدود وضوابط شرعية لا تتعداها أبدًا، بينما الديمقراطية لا تعترف بتلك الحدود ولا بتلك الضوابط. فقد تنادي الديمقراطية بتحكيم الأكثرية، ولكن بغض النظر عن مبدأ الصواب أو الخطأ. بمعنى آخر، أي رأي يفوز بالأغلبية المطلقة هو الرأي النافذ حتى ولو كان باطلاً. أما الشورى في الإسلام فلا تعتد بهذه الوسيلة، بل تنظر في ذات الرأي. فإن كان صوابًا من الناحية الشرعية نفذ وإن لم يكن معه صوت واحد، وإن كان خطأ رفض وإن كان معه (99) من الـ (100) . والقرآن نفسه يدل على كون الأكثرية دائمًا في صف الباطل: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الأعراف: 187؛ (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) هود: 17. أما المؤمنون فهم الأقلية (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) ص: 24. فالجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. والأمور الشرعية القطعية وأساسيات الدين ليس لها تصويت في الشورى. إنما الشورى أو التصويت يجوز فقط في الأمور الاجتهادية أو"المصالح المرسلة"مثل بناء منشآت صناعية أو إصدار قوانين لضبط المرور.

إذًا، فرأي الأكثرية ليس مؤشرًا على الصلاح، وليس دليلاً على الصواب كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية التي أباحت الشذوذ الجنسي، والتي أباحت شرب الخمر وبيعها وشراءها من خلال رأي الأكثرية. إن الديمقراطية غير محكومة بأصول تقيدها ولا قيم تضبط سيرتها؛ فتحلل الحرام كيفما تريد. وليس أدل على ذلك مما أبداه البرلمان الإنجليزي حينما قال: إنه يستطيع أن يقرر أي شيء إلا أن يُحول النساء رجالا أو الرجال نساء. بل إن رأي الأكثرية في الديمقراطية يمكن أن يلغي الديمقراطية نفسها؛ ولذا فإن الديمقراطية يمكن أن يكون لديها أنياب أشد شراسة وفتكًا من الديكتاتورية.

ومن أثر عدم وجود تلك الأصول والقيم في الديمقراطية، نجد المرشح يرشح نفسه للانتخابات بدون توافر مواصفات أخلاقية كالعدل والأمانة، فيزيف الحقائق وينهب ليحقق مصالح الطبقة التي يخدمها. وكذلك الناخب نجده لا يشهد بالحق. أما في الإسلام، فيشترط أن يكون الناخب فيه ما فيه من الشاهد من العدالة وحسن السيرة"وأشهدوا ذوي عدل منكم" (الطلاق: 2) . وكذلك المرشح، فيجب أن يكون حفيظًا عليمًا إشارة إلى قوله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام:"اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" (يوسف: 55) أو قويًا أمينًا إشارة إلى قوله تعالى على لسان ابنة الشيخ الكبير في قصة موسى:"يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين" (القصص: 26) .

المراجع:

(1) الأستاذ الدكتور علي الغتيت: المفكر وأستاذ القانون المقارن والقانون الدولي بجامعة القاهرة والمحكم الدولي-"محاضرة عن حقوق الإنسان والمواطن بين مثالية النصوص والمخاطبين بها"جامعة القاهرة - قسم اقتصاد وعلوم سياسية، مارس 1998.

(2) الأستاذ الدكتور علي الغتيت - حوار - 4 يوليو 2000.

(3) الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، الفقيه والداعية الإسلامي،"فتاوى عن الإسلام والديمقراطية"و"بين الشورى والديمقراطية"و"هدى الإسلام في اختيار الحكام"، يونيو 2000.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت