فهرس الكتاب

الصفحة 8592 من 27364

من داخل هذا الغرب، وبناء على هذه التعدديَّة جاءنا من ينادي بالعولمة باعتبارها فرضًا للنموذج الحياتي الأمريكي على العالم، وهو ما نسمِّيه"بالأمركة"، ومن ضمن نفس الغرب جاءنا من يرى في العولمة جماعٌ للقيم الكلِّيَّة الإنسانيَّة المشتركة.

الاتجاه الأوَّل اتجاهٌ استعماريٌّ لا يمكننا مراجعتك في اتّهامه والخوف منه، لكن الاتجاه الثاني اتجاهٌ يبحث عن القيم السامية التي يحملها إسلامك وإسلامنا.

وحريٌّ بك أن تقدِّم هذه القيم له، حريٌّ بك كمسلمٍ أن تدعوه لما في هذه القيم من إنسانيَّة ونبالة، ولن تستطيع هذا وأنت تعمي عينيك عمَّا في هذا الغرب من تعدُّديَّة، أنت مطالبٌ كمسلمٍ أن تحمل قيم الإسلام للعالمين، وهؤلاء النفر هم هدفك وضالَّتك، وهم مستعدُّون لأن يطَّلعوا على ما لديك فيأخذونه طوعًا، ويعرضون عليك - طوعًا لا قسرًا - ما يعدون لديهم قيمًا نبيلة، ومن بين هذه القيم، ما رميته بالزخرف والضلال من قيمٍ ديمقراطيَّةٍ وحقوقيَّة.

القيم الضالَّة وضالَّة المؤمن:

تحدثت يا أخي قعقاع في سؤالك عن الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان والحداثة، والتنمية والعولمة، وذكرت أنَّها قيمٌ ضالَّةٌ وزخرفيَّةٌ وكاذبة، فهل ترى أنَّ ذلك صحيح؟

دعنا نطرح السؤال بشكلٍ أكثر عمقًا.. هل ترى في الاستبداد السياسي الذي تعاني منه بعض الدول، ولعلَّ عراق صدام نموذجها، هل ترى في هذا النموذج فائدةً وميزة؟

هل ترى في انتهاك حقوق الناس في هذه البلدان ما يقود إلى سعادةٍ إنسانيَّةٍ حقيقيَّة؟

الحقيقة أيُّها الأخ الفاضل أنَّنا لا نوافق على نفس المضمون الذي يتداوله الغرب لتلك المفاهيم، فلا يزال ينظر إليها باعتبارها منتجٌ حضاريٌّ له، تأثَّر بما تحفل به الحضارة الغربيَّة من ماديَّةٍ ونسبيَّة وتكوينٍ صراعيٍّ تنافسيٍّ يبدأ بحقوق الإنسان، وقد ينتهي بانتهاك هذه الحقوق، ولكن هذه القيم يمكن لكلِّ البشريَّة الاستفادة منها، سواء في مضمون هذه القيم، أو في المؤسَّسات التي أنتجتها.

ولنأخذ معًا مثالاً يريك كيف نستفيد من قيمةٍ مثل الديمقراطيَّة.

بالنسبة للديمقراطيَّة، يمكن لنا أن نستفيد من المفهوم في تشريح وتفكيك ظاهرة الاستبداد التي نعيشها في دول الجنوب عربيَّةً أو إسلاميَّةً أو حتى غير عربيَّةٍ أو إسلاميَّةٍ، وإلا.. فقل لي: كيف يمكن للأقليَّات المسلمة أن تحيا في دولٍ غير مسلمةٍ من غير ديمقراطيَّة ؟ وكيف تدعو لدينها من دون تمتُّعها بحريَّات الفكر والاجتماع والتنظيم.

أنا معك في أنَّ قيمة الديمقراطيَّة فيها أبعادٌ غير مقبولة:

ففيها النسبيَّة: فكلُّ شيءٍ خاضعٌ للتصويت، لكنَّك يمكنك أن تميِّز في ممارستك بين الثوابت والمتغيِّرات.

وفيها مخالفة الحاكميَّة: ويمكنك أنت في ممارستك أن تجعل الشريعة مظلَّة تشريعك لكن الديمقراطية نموذج يفيد أكثر ممَّا نستدرك عليه من عيوب.. كيف؟

-الديمقراطيَّة أمدَّتك بخبرةٍ تاريخيَّةٍ ونظريَّةٍ لتفكيك الاستبداد.

-الديمقراطيَّة أمدَّتك بمؤسَّساتٍ وأفكار مؤسَّسيَّة تصون الخبرات السياسيَّة.

-الديمقراطيَّة أمدَّت التاريخ الإنساني بقيمٍ سياسيَّة مهمَّة، منها.. أنَّ القرار العامّ لا يكون بيد قلَّة، وأنَّ الكلَّ يشرع لنفسه ولا يترك غيره يشرِّع له وينساق وراءه كالأنعام، وأمدّتك بضرورة عدم تركيز السلطات وضرورة الفصل بينها، وأمدَّتك بأشكال الحقوق، وضرورة حمايتها إلخ.

هذا التراث من الحكمة التي لا ننكرها، ولا ينكر أحدنا أن ديننا الإسلامي رفض الاستبداد، لكنَّه تناول الخطوط العريضة، وحضارتنا أنتجت أشكال مضادَّة للاستبداد، لكنَّنا لم نستطع إرساء نموذجٍ مستقرٍّ ودائمٍ يكبح جماح الاستبداد، حتى إنَّ بعض مفكِّرينا طرح فكرة المستبدّ العادل كمخرج فلسفي سياسي - اجتماعي لأمَّتنا من هذه المأساة.

لم يستطع العلماء فرض نموذجٍ رقابيٍّ مؤسَّسٍ ومستمرٍّ ومستقرّ، ومن ورائهم اكتفت شعوبنا بالانتفاضة بين الحين والآخر لكبح جماح الاستبداد، فلماذا لا نستلهم تلك الحكمة، كما استلهم الفاروق عمر رضي الله عنه نظام الإدارة الفارسي، وكما استلهم الرسو صلى الله عليه وسلم نظم الآخر الحضاري، ومنها"خندق"سلمان الفارسي، و"فضول"قريش الجاهلي.

لكنَّنا كمسلمين لا نستلهم تراث الآخر كما يستلهمه الآخر العلماني، فالعلمانيُّون فريقان:

أوَّلهما يستورد تراث الغرب كما هو دونما تحريف.

وثانيهما ينادي بزرع تراث الآخر في بيئتنا بما يلائم خصوصيَّاتنا الاجتماعية (التبيئة) .

أمَّا نحن فنستلهم حكمة الآخر - طالما كانت حكمةً حقيقيَّة - وننادي بتفكيكها وإعادة بنائها بما يلائم معطياتنا العقيديَّة والاجتماعيَّة.

أنا أقول لك هذا - أخي القعقاع - لكي نقف معًا على أرضيَّة أنَّ الآخر ليس شرًّا كلَّه، وليس خيرًا كلّه، أنت لا تجابه الشيطان، أنت تجابه جماعةً إنسانيَّةً فيها الجيِّد وفيها الرديء، فيها الخير وفيها الشر، وانعزالك في قوقعة ذاتك يحرمك من التواصل مع ما في الآخر من خير، ومن استعدادٍ للصلاح.

المسلمون ليسوا حجَّةً على الإسلام.. والغربيُّون أيضًا!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت