فهرس الكتاب

الصفحة 8534 من 27364

لقد انخفض مؤشر داوجونز إلى ما تحت 9000 نقطة لأول مرة منذ ما يربو على عامين، والدولار يتراجع بشكل مخيف، حتى إن بوش يلقي خطابا في بورصة نيويورك ليطمئن المستثمرين، والكونجرس يصدر قانونا بتشديد العقوبات على التلاعب في ميزانيات وأرباح الشركات. ورغم أن المحللين الاقتصاديين كانوا يتوقعون هذه الأزمة، فإن حل الأزمة عند الحكومة الأمريكية كان دائما وأبدا هو"حل القوة"، وهو المنطق الذي اعتمد عليه رامسفيلد حين قال:"طوال نصف قرن تقريبا كانت خلطة الإستراتيجية والقوة والقدرات هي التي أتاحت لنا الحفاظ على السلام والدفاع عن الحرية". وحل القوة يتطلب إقناع الجمهور الأمريكي الذي يمثل مشكلة دائما، خصوصا بعد المكاسب المذهلة التي تحققت بعد حركات الحقوق المدنية في الستينيات. إقناع الجمهور يعتمد دائما على منطق الخوف. ويضيف رامسفيلد:"علينا أن نتوقع أنه في الأعوام المقبلة سنواجه أعداء جددا، وسيكون علينا أن نتوقع منهم ضربات غير متوقعة". الخوف من المجهول هو الوسيلة التي تعتمد عليها الحكومة الأمريكية لإقناع الجمهور أو إرهابه في الواقع لرفع ميزانيات الدفاع لتحقيق ما أسماه رامسفيلد"الإستراتيجية المتغيرة ذات الأهداف الستة".

ما هي تلك الإستراتيجية؟

1-حماية الأراضي الأمريكية والقواعد الأمريكية في الخارج. أي بصريح العبارة"الحفاظ على مواردنا في أراضيهم"كما قال روبرستون من قبل.

2-إظهار القوة والحفاظ على هذا المظهر في الأراضي البعيدة. أي سياسة"العين الحمراء"أو الردع قبل التفكير في الجريمة، كما صرح من قبل رامسفيلد في معرض تبريره للمعاملة غير الإنسانية الرهيبة التي يلقاها المعتقلون في جوانتانامو.

3-حرمان"أعدائنا"من الملاذ الآمن، و"التأكد أنهم يعرفون أنه لا يوجد ركن في الأرض يبعد عن قبضتنا، ولا جبل يعلو على طيراننا، ولا كهف يصعب علينا ارتياده، ولا راحلة تحملها بسرعة لا نستطيع الوصول إليها". وبعيدًا عن البلاغة الرامسفيلدية فإن"غطرسة القوة"التي تمثل أيدلوجيا المجموعة الحاكمة في أمريكا الآن تبدو واضحة جلية. لا يوجد مكان في الأرض يبعد عن قبضة الشرطي المتجول المدجج بالسلاح. حتى ولا الفضاء كما في فيلم"رعاة البقر في الفضاء". وهي السياسة التي تطبقها الحكومة الأمريكية الآن بكل دقة.

4-حماية شبكات المعلومات من الهجوم.

5-استخدام تقنية المعلومات للربط بين الأسلحة المختلفة بحيث تحارب بتضامن معا.

أي إن البندين السابقين يتحدثان بوضوح عن كيفية تعظيم الاستفادة من التكنولوجيا العالية، وهو الأمر الأكثر جلاء في البند السادس ألا وهو الحفاظ على السيطرة التامة على الفضاء وحماية"قدراتنا"الفضائية من هجوم الأعداء.

ويخبرنا رامسفيلد بالزيادة في الإنفاق الحكومي على هذه الإستراتيجية ذات الأهداف الستة التي تراوحت بين 27-145% أي بمتوسط يصل إلى 85% زيادة يتم التركيز بها على التسلح وزيادة العنف. في الوقت الذي ترفض فيه الحكومة الأمريكية المساهمة في برامج مكافحة الإيدز على مستوى العالم!! هذه الزيادات والإستراتيجيات الجديدة لم تكن لتحدث في إطار معاهدات الحد من الأسلحة النووية والإستراتيجية مثل"سولت1"، و"سولت2"ولذا كانت خطوة بوش المهمة في إلغاء هذه المعاهدة، التي يفخر بها رامسفيلد كثيرا ويخبرنا أنها حررت الولايات المتحدة من كل القيود.

سياسة الذراع الطويلة

التحرر من القيود الدولية يشكل جزءًا هاما من الإستراتيجية، فالولايات المتحدة لم توقع على اتفاقية تكوين المحكمة الجنائية الدولية، وترفض تمديد فترة عمل قوات حفظ السلام في البوسنة ما لم تحصل على ضمانات بعدم محاكمة الجنود الأمريكيين المشتركين في أي قوة لحفظ السلام في العالم، أي حصانة كاملة للجنود الأمريكيين وهي ما حصلت عليه من مجلس الأمن. فالشرطي المتجول قد يضطر أحيانا إلى استخدام العنف"وجل من لا يخطئ"للوصول للأهداف العظيمة والسامية التي انطلق من أجلها على جواده!!

المذهل أن الكونجرس الأمريكي يناقش مشروع قانون يتيح للقوات الأمريكية حق التدخل لإنقاذ أي جندي أمريكي قد يتهم ويُحتجز في هذه المحكمة. أي مشروع قانون يتيح غزو أمريكا لهولندا حيث تقع المحكمة.

لم تمر تلك التصرفات الأمريكية"مرور الكرام"فقد أعلنت فرنسا مؤخرا قرارها بالانسحاب من القوة الدولية العاملة في أفغانستان لتعذر التعامل مع القوات الأمريكية، مبقية فقط على طائرات الميراج 2000. أيضا احتجت دول العالم كافة على الموقف الأمريكي الذي يريد لَيّ ذراع الأمم المتحدة برفض تمديد قوات حفظ السلام في البوسنة إلا بعد منح الجنود الأمريكيين الحصانة.

يعتمد التدخل الأمريكي في كل الأحوال هنا على فكرة"الذراع الطويلة"بمعنى أنه لا يجب تقصير القدرات الحربية الأمريكية لأنها تدافع عن أمن العالم، رغم أن العالم لا يريد هذا الدفاع.

كيف نتعامل مع هذا المنطق؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت