ماذا بقي إذن؟ الديمقراطيون على شاكلة المعارضة العراقية السابقة التي ترعرعت بفضل أموال أجهزة الاستخبارات ودخلت بغداد على ظهر الدبابات؟ إذا تصورت أمريكا أن مثل هذا الطابور الخامس, الذي سيتصدّى له الاستبداد والإسلاميون والديمقراطيون الوطنيون, كلّ لأسبابه الخاصّة , هو القادر على تسويق المشروع الأمريكي فإن حجم خيبة أمل النهاية ستكون بحجم غرور البداية.
إن مقارنة المبادرة الحالية بمبادرة"هلسنكي"التي ساهمت كثيرا في هدّ قلعة الاستبداد الشيوعي وانتصار الديمقراطية, غير واقعية لاختلاف الوضع تماما. فهناك في وطننا العربي بديلان متنافسان للاستبداد هما الديمقراطية والإسلام السياسي. لم يكن في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي في السبعينيات سوى بديل واحد هو الديمقراطية. أما الاختلاف الجوهري الثاني فهو انعدام المصداقية التامّ لسياسة أمريكا في دفع الديمقراطية في عالمنا في الوقت الذي تحتل فيه العراق وتدعم وحشية شارون وتهين مواطنينا في مطاراتها ناهيك عن وصمة"جوانتانامو". إن السياسة الأمريكية هي اليوم, خلافا لعصر هلسنكي, أكبر عنصر تأخير وإرباك وإضعاف لمشروع زرع الديمقراطية في وطننا العربي. بل يمكن القول أن كل سياستها تؤدي على العكس إلى فتح طريق سيارة للقوّة الإسلامية المتشدّدة, وهذا ما رأيناه في العراق وسنراه في أماكن أخرى.
إن مبادرة"هلسنكي الجديدة"جاءت متأخرة وضعيفة وعديمة المصداقية وذات مفعول عكسي ولن تنفع في تسويقها الأموال والفضائيات ووكالات تحسين الصورة. يبقى أن علينا, كديمقراطيين عرب, أن نتعامل من هنا فصاعدا مع العامل الأمريكي كعامل هامّ في تأخير تمكّن الديمقراطية, إن تمكّنت يوما, وذلك عبر تحسين مظهر الاستبداد وتقوية التيار الإسلامي المتشدّد من وإعطاء أبشع فكرة لشعوبنا عن ديمقراطية يرمز لها العملاء. هل سنكون على مستوى هذا التحدّي الضخم أم نسلّم أن الإدارة الأمريكية قد أعطت لديمقراطيتنا الناشئة قبلة الموت؟
* نقلا عن جريدة الحياة 2004/02/22