فهرس الكتاب

الصفحة 8420 من 27364

لقد كانت خيبة الأمل لدى هذه الأوساط شديدة، عندما قرر البيت الأبيض -على نحو ما تجلى في زيارة بن علي الأمريكية- منح الأولوية للمعالجة الأمنية والعسكرية، والاكتفاء حيال الديمقراطية بمجرد مطالب وتصريحات صحفية محتشمة قابلة للتأويل، يدرك المسئولون الأمريكيون قبل غيرهم أن ضيوفهم سيضعونها جانبا بمجرد وضع أقدامهم على سلم طائرة العودة، والاكتفاء بعد ذلك بكلمات التنويه والإشادة بجهودهم المقدرة في حلف واشنطن المقدس ضد الإرهاب.

التطبيع يعفي من الديمقراطية

والبين أن انكشاف العورة الأمريكية حيال الديمقراطية في المنطقة المغاربية -والعربية عامة- قد بدأ قبل أشهر من زيارة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي للولايات المتحدة؛ حيث قام الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد الطايع بانتهاك صارخ، كرس الطبيعة الشمولية لنظامه السياسي، دون أن يبدي المسئولون الأمريكيون أي تحفظ على سلوك الحليف العتيد.

لقد قام نظام معاوية ولد سيدي أحمد الطايع بتزوير الانتخابات الرئاسية، وقد جرى ذلك بشكل فج ومفضوح حسب ما تشير إلى ذلك تقارير المنظمات الدولية والمحلية التي قامت بالرقابة على العملية الانتخابية، فضلا عن الإقدام على سجن الخصوم السياسيين، وفي مقدمتهم المرشح الرئاسي الأبرز"ولد هيدالة"، غير أن واشنطن لم تحرك ساكنا، ولم يقم أحد من مسئوليها بإدانة السلوك المستهتر بقيم الديمقراطية، خلافا لما كان عليه الأمر في جورجيا التي دعم فيها البيت الأبيض الانقلاب الشعبي ضد شيفردنادزه، مثلما دعمت لاحقا عملية التحول نحو الديمقراطية.

ولا يملك المحللون تفسيرا مقنعا حيال السكوت الأمريكي على سلوك النظام الموريتاني، غير إقدام هذا النظام على تحدي المحظور وكسر الإجماع العربي، بإقامة علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية. فالتطبيع مع إسرائيل يعفي أصحابه من واجب التزام قيم الديمقراطية، كما يبطل حق متابعة المنتهكين لحقوق الإنسان والحريات العامة والفردية.

وكانت مصادر موريتانية قد أشارت إلى أن واشنطن لم تكتف -بغض النظر عن سيرة نظام نواكشوط الشمولية- بل تدخلت مخابراتيا وربما عسكريا لصالح الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، عندما كاد انقلاب عسكري جرى في شهر أغسطس 2003 أن يطيح به.

والبين من كل ذلك أن النظام الموريتاني الحالي لن يجد بديلا لدى واشنطن، مهما انحرفت ممارساته وابتعدت عن قيم الديمقراطية، حتى تتبين الأخيرة أن النظام البديل لن يتراجع عن سيرة السلف المتواصلة مع الدولة الصهيونية.

التجرد من السلاح وسيلة..

أما الحالة الثالثة التي أظهرت فيها واشنطن تناقضا بيّنًا بين التصريح والسيرة الواقعية فهي الحالة الليبية؛ حيث بدا الأمريكيون وكأنهم قد وقّعوا اتفاقًا مع نظام العقيد القذافي يقضي بأن تتجرد ليبيا من ترسانة أسلحتها الكمياوية، وتقوم بإنهاء تجاربها في مجال التقنية النووية، في مقابل تعهد واشنطن بالسكوت عن مطالبها في ضرروة إصلاح طرابلس لنظامها السياسي.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن مشاورات النظام الليبي مع الدوائر الاستخباراتية الأمريكية والبريطانية قد استمرت لمدة أشهر طويلة قبل صدور إعلان طرابلس ذائع الصيت بالتخلص من أسلحتها الكيماوية ووقف تجاربها ومنشآتها النووية. وكان الطلب الرئيسي لنظام العقيد القذافي لتحقيق الكثير من المطالب الأمريكية هو قبول واشنطن بعدم التدخل لتغيير طبيعة النظام الراهن.

وقد لاحظ المتابعون تراجع واشنطن الواضح -إثر إعلان طرابلس تجردها من سلاحها- عن مطالبة نظام العقيد بإجراء إصلاحات سياسية عميقة، وإحداث مراجعات على أوضاع حقوق الإنسان في البلاد.

وما يمكن أن يخلص إليه المتابع للحالات الثلاث الآنفة أن واشنطن قد منحت مسألة الديمقراطية مكانة ثانية أو ثانوية في سياستها إزاء المنطقة المغاربية -والعربية- فيما يبدو أنها قد منحت الأولوية لثلاثة توجهات أساسية يمكن لسالكها أن يتمتع بإعفاء أمريكي من الالتزامات الديمقراطية والحقوقية. وهذه التوجهات كما يلي: 1- الانخراط في حرب واشنطن ضد الإرهاب. 2- التطبيع مع الدولة العبرية. 3- التخلص من ترسانة الأسلحة النووية والكيماوية.

ولعل التأمل في حالات أخرى كثيرة في العالم العربي والإسلامي ستؤكد النتيجة نفسها، حيث تضغط واشنطن في اتجاه دفع إيران إلى التخلص من سلاحها الحديث ومنشآتها النووية، فيما تعمل على دفع دول أخرى إلى إقامة علاقات مع إسرائيل، بينما تحث ثالثة على تغيير مناهجها التربوية ووضع مؤسساتها الأمنية والعسكرية في خدمة واشنطن وحربها ضد الجماعات الإرهابية، على غرار ما يجري مع السعودية ودول عربية أخرى. ويظل الدليل الأكثر حسما في تقييم حقيقة النوايا والمخططات الأمريكية إزاء الديمقراطية في العالم العربي.. النهاية التي ستختارها واشنطن للدراما العراقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت