أولها أن من مبادئ الديمقراطية أن يكون في السلطة من يتمتع بدعم الغالبية وبالقدرات التنظيمية. وثانيها أن دولا إسلامية شهدت انتخابات حرة دون أن تكون الأحزاب الإسلامية عائقًا أمام الديمقراطية. ففي تركيا كانت المؤسسة العسكرية هي التي وضعت دستور 1982 ببنوده المقيدة للحريات، وهي التي أقصت الإسلاميين عن الحكم دون أن يكون هناك أي"فخ". أما في باكستان وبنجلاديش فقد عانت الديمقراطية في الأساس من العسكريين وأجهزة الأمن وليس من الأحزاب الإسلامية، كما أن الإسلام ما كان يومًا عقبة أمام الديمقراطية ولا كان دعامة للحكم في إندونيسيا إبان عهد سوهارتو. وثالثها أن ما حدث في الجزائر إنما كان في الأساس نتيجة إلغاء الانتخابات وتسلط العسكريين على مقدرات الأمور.
لا إصلاح بلا ديمقراطيين
رابعًا: هل يريد البعض إصلاحًا بلا ديمقراطيين؟ وأعنى بالديمقراطيين أولئك الذين يؤمنون بالآليات والمؤسسات المطبقة بالغرب التي تنظم التداول السلمي على السلطة، وتحول دون تدلي الحكام إلى الاستبداد، وتحترم الحقوق الأساسية للإنسان. إن الدعوة إلى إصلاح شامل وعام ينبغي ألا تفهم على أنها دعوة لفتح الباب أمام من لا يؤمن بالديمقراطية لممارسة الديمقراطية. إن من مبادئ الديمقراطية نبذ العنف كسبيل للسلطة والقبول بما يسمى"قواعد اللعبة الديمقراطية"، أي قبول من هم اليوم في الحكم، ومن هم في خارجه، مبدأ التداول على السلطة. ولذا فيجب على بعض القوى السياسية الإسلامية إزالة الغموض الذي يشوب خطابها السياسي، إن أرادت حقًّا المشاركة في الإصلاح.
فالإصلاح بطبيعته يستلزم ترتيب الأولويات، والانفتاح على الغير، وحتمية العمل المرحلي. وعلى هذه القوى أيضًا إدراك أن آليات الديمقراطية ومؤسساتها تلك لا تعني البتة الانتقاص من شأن الإسلام وقيمه، بل على العكس تمامًا..
أولاً لأن هذه الآليات من المكتسبات الإنسانية التي ابتكرها العقل البشري، بل وطبق بعض أوجهها المسلمون الأوائل. وثانيًا لأن من مقتضيات الإسلام اقتباس النافع والأخذ بالحكمة أنى وجدت ما دامت لا تتناقض مع المبادئ والقيم الأساسية للإسلام. وثالثًا لأن هذا ما فهمه ويمارسه بعض الإسلاميين في اليمن والأردن والمغرب وفي إندونيسيا وبنجلاديش وتركيا وإيران، بل وفي المجتمعات الغربية أيضًا.
إن إدراك هذه الأمور يستلزم من الجميع تجاوز منطق التفكيرة الإقصائي والاستعلائي، والتخلي عن عقلية الثنائيات ومحدودية التفكير والانغلاق. إن مساحات الاتفاق بين القوى السياسية المختلفة يجب أن تتسع لتشمل الاتفاق على الأهداف العليا المنشودة، والآليات والمؤسسات الكفيلة بوضعها موضع التنفيذ. فلن يتحقق الإصلاح إذا ظل تفكيرنا محصورًا في ثنائية"ديمقراطية بلا إسلاميين"، أو"إصلاح بلا ديمقراطيين".