كذلك جاء الحديث عن مرور 50 عاما على ثورة يوليو وشرعيتها بعد هذه الأعوام مع تشديد كُتاب ومحللين على أن أحد مبادئ ثورة 23 يوليه الستة الباقية لم يتحقق حتى الآن وهو"إقامة حياة ديمقراطية سليمة"؛ ليزيد الجدل حول تعميق وتنمية الديمقراطية التي تبدأ بإصلاح الحياة السياسية الحزبية والانتخابات.
بل إن تصريحات الرئيس مبارك الأخيرة لصحيفة الأهرام (13 يوليه 2002 ) التي شدد فيها على أنه لا بديل عن تطوير الحزب الوطني"لأنه مؤمن تماما بأن الحياة السياسية لا بد أن تقوم على بناء ديمقراطي سليم"، إضافة إلى دعوة رئيس تحرير مجلة المصور السابق بالإشارة لها بأن يكون جوهر"الشرعية الجديدة"-كما أسماها- للثورة هو إقامة حياة ديمقراطية حقيقية .. هذه التصريحات ردها بعض المحللين إلى وجود أساس للأقوال التي دارت حول امتداد دعاوى الإصلاح السياسي إلى العالم العربي، وإن كان البعض يرى أن مطالب الإصلاح السياسي نبتت عربيا أولا، ولكن عدم الأخذ بها من قبل الحكومات انتهى إلى أن يرفعها -لأهداف مختلفة بالطبع- الغرب في مواجهة نفس الحكومات!
فالرئيس المصري وجَّه رسالة للقائمين على هذا التطوير في الحزب الحاكم -في حديثه للأهرام 13 يوليه 2002- قائلا: إن"الهدف من التطوير ليس الانتخابات وإنما ما بعدها أي القيام بعمل جاد وإعداد كوادر للمستقبل تملأ الفراغ ، وإتاحة الفرصة أمام الشباب والمرأة"، وقال:"ليس هناك من بديل عن التطوير الجاد للحزب الوطني باعتباره حزب الأغلبية، والقرار في الحزب لا بد أن يحكمه أساس ديمقراطي".
وجاء تركيز الرئيس على دور الشباب في الحزب ليزيد أسهم الحرس الشبابي الجديد قبالة الحرس القديم وعلى رأسه الأمين العام للحزب د. يوسف والي، وأبرز هذا الحرس الجديد ابن الرئيس المصري (جمال مبارك) الذي ترشحه الشائعات لتولي منصب أمين عام الحزب خلال شهرين؛ إذ قال مبارك إن:"الخريطة السياسية تغيرت فالأغلبية الآن في هرم السكان من الشباب ومن الضروري بالنسبة للحزب أن تتسع قاعدته منهم وعلى مستوى كل القيادات ويصبحوا مشاركين".
ومع أن الرئيس مبارك الذي يرأس الحزب الوطني تحدث عن"تطوير"و"إتاحة الفرصة أمام الشباب"، فقد لوحظ أن نتائج انتخابات القواعد في المحافظات والمدن الصغيرة -كما قال كمال الشاذلي أمين التنظيم بالحزب الحاكم- أسفرت عن فوز 99% بالتزكية دون انتخابات.
وقد انتهى أيضا الفصل الثاني من انتخابات الحزب الحاكم التي جرت على مستوى الأقسام والمراكز والأحياء في 13 يوليه الجاري تمهيدا للفصل الثالث والأخير في سبتمبر القادم باختيار رئيس الحزب لأمناء الحزب الوطني بالمحافظات، وانتخاب هيئات المكاتب على جميع المستويات.
التغيير القادم
وكان جمال مبارك قد بدأت أسهمه تتصاعد منذ عامين تقريبا بسبب تصريحاته المتعددة في وسائل الإعلام؛ وهو ما أثار الشائعات حول توليه الرئاسة، وذلك ضمن عمليات توريث الحكم التي جرت في أربعة دول عربية (سوريا - الأردن - المغرب - البحرين) ، بيد أن تصريحات قاطعة للرئيس مبارك وابنه نفت هذه الأنباء تماما.
وعاد جمال مبارك ليحسم المسألة بقوله: إن الرئيس مبارك (الأب) يرفض تماما توليه أي مناصب تنفيذية يرأسها والده، ولكن تعيين جمال في هيئة مكتب الحزب الحاكم أظهر جانبا من الدور المنتظر أن يقوم به داخل الحزب الوطني الحاكم.
وقد ظهرت إرهاصات هذا الدور في الحوار المطول مع جمال مبارك والذي أذاعه التلفزيون المصري يوم 30 يونيه الماضي عشية بدء الانتخابات الداخلية في الحزب الحاكم والمتوقع أن تسفر عن إطاحة عدد كبير من قيادات الحرس القديم، حيث تعهد جمال باعتباره عضو الأمانة العامة والمكتب السياسي للحزب الوطني الديمقراطي بـ"استمرارية حملة التطوير والإصلاحات التي يقودها داخل الحزب"، وحذر القيادات القديمة من المراهنة على أن الموضوع سيهدأ بعد حين. ودعا شباب الحزب إلى المشاركة بقوة في الانتخابات الداخلية للحزب التي انتهت 13 يوليه الجاري.
ومع أن جمال صرح مرارا بأنه مجرد عضو في أمانة عامة تضم 23 عضوا، ومكتبا سياسيا يضم 6 أعضاء، ولجنة لتنفيذ الإصلاحات تضم 4 أعضاء، فإن كلماته اعتبرت أشبه بـ"تفويض كامل"من الرئيس حسني مبارك (رئيس الحزب) لتطهير صفوف الحزب من العناصر التي أساءت إليه طوال العقدين الماضيين.
فليس سرا أن هناك قيادات كبرت في السن، وعفا عليها الزمن، وأخرى تورطت في قضايا فساد مالي وسياسي وأخلاقي شوهت صورة الحزب الحاكم، وتوسعت صحف المعارضة في كشف فضائحها، والأهم -كما ظهر ضمنا في تصريحات مبارك الأخيرة- أن هذه القيادات القديمة فشلت في تأسيس قاعدة شعبية حقيقية لحزب يفترض أنه حزب الأغلبية.
واللافت أن تصريحات جمال الأخيرة ليس مألوفا سماعها من مسؤول في الحزب الحاكم، حيث أقر فيها بأن"الشباب المصري بشكل عام، وليس شباب الحزب فقط، يعاني حالة من السلبية السياسية، ويردد كلاما مثل الانتخابات: مش هتفرق، وبلاش وجع دماغ، عندما يتعلق الأمر بالمشاركة في الحياة السياسية".