لقد قامت منظمة الشفافية الدولية TI) - T r anspa r ency Inte r national) بالإعلان عن مؤشر مدركات الفساد (Co r ruption Pe r ceptions Index - CPI) للمنظمة للعام 2003 ويدل مؤشر الفساد في 133 بلدا من البلاد النامية -ومنها الدول العربية- أن 9 من أصل كل 10 دول نامية بحاجة ماسة لدعم عملي لكبح الفساد، وحسب المؤشر الجديد الذي يصنف 133 دولة حسب المستوى المقدر لقبول الرشاوى لدى السياسيين وموظفي القطاع العام فيها.. إنه مؤشر مركب اعتمد على 17 عملية استقصاء أجرتها 13 مؤسسة مستقلة شملت رجال أعمال ومحللي مخاطر من تلك الدول ويركز المؤشر على الفساد في القطاع العام، إذ يعرف بأنه سوء استعمال الوظيفة في القطاع العام من أجل تحقيق مكاسب شخصية.
لقد قامت منظمة الشفافية الدولية المشار إليها بإعداد تقرير علمي عن مدى استشراء الفساد في الدول 133 موضوع الدراسة الميدانية. وتم تحديد مستوى الشفافية الأعلى أي النقاء من الفساد بعشر درجات؛ بمعنى أن دولة كفنلندا حصلت بالفعل على 9.7 من 10 درجات وبذلك هي أقرب إلى الشفافية والنقاء والبعد عن الفساد. أما دولة بنجلاديش فقد حصلت على 1.3 درجة، ومن ثَم فهي بعيدة كل البعد عن الشفافية والأقرب إلى بؤر وانتشار الفساد. وقد بينت هذه الدراسة أن 7 من كل 10 بلدان تحصل على أقل من 5 نقاط على 10 نقاط، بينما تحصل 5 من 10 بلدان نامية على أقل من 3 نقاط على 10.
وإذا بحثنا عن موقع البلدان العربية من الشفافية والنقاء بالبعد عن بؤر وانتشار الفساد كما ورد في التقرير فإن 5 دول فقط من 17 دولة عربية كانت متوسطة في درجة الشفافية (عمان 6.6، البحرين 6.1، قطر 5.6، الكويت 5.3، الإمارات 5.2) من 10 درجات، أما الـ12 دولة عربية الأخرى فكانت أقل من 5 درجات وهي على التوالي تنازليا ( تونس 4.9 ـ الأردن 4.6 ـ السعودية 4.5 ـ سوريا 3.4 ـ مصر 3.3 ـ المغرب 3.3 ـ لبنان 3.0 ـ فلسطين 3.0 ـ الجزائر 2.6 ـ اليمن 2.6 ـ السودان 2.3 ـ العراق 2.2...) من 10 درجات. منها 9 دول يتراوح مستواها المتدني بين (2 - 3) من 10 درجات، مما يضيف إلى جبين أمتنا العربية خجلا فوق خجل، بما يؤشر إلى مزيد من احتمالية الارتباط الإيجابي للعلاقة بين النظم التسلطية وانتشار الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
هذا فضلا عن إفشال الفساد للنمو الاقتصادي وقطع أوصال التنمية المستدامة، والهبوط بالمواطنين إلى مستوى ما تحت خط الفقر ومعاناة الملايين من البؤس، مما يؤدي إلى حالات من اليأس وانتحاء شرائح من الشباب إلى الإرهاب أو الاستغراق في مستنقع التيه والمخدرات، وما يتبع ذلك من جرائم أخرى ضد النفس والمال. ومن يرد المزيد من التفاصيل فليرجع إلى تقرير الشفافية الدولية المشار إليه سلفا لدراسة الفساد على مستوى العالم في تقرير 2003 لهذه المنظمة غير الحكومية ومركزها الرئيسي في برلين ولها 90 فرعا في العالم.
ونستخلص مما سبق أن هذه المؤشرات المشار إليها عن الفساد في الدول النامية عامة والدول العربية، خاصة ما هي إلا الشواهد السطحية إنما الحجم الأكبر هو في الأرقام المجهولة التي تفنن المفسدون من أصحاب المكانة والنفوذ في القيام بها أو ارتكابها بمكر ينفذون به من ثغرات القانون وسوء استخدام السلطة واستغلالها لمصلحة فسادهم والإضرار بأهلهم وشعوبهم.
لن يبدأ أي إصلاح عربي إلا بثورة على الفساد والإفساد الذي يأكل حصاد التنمية أولا فأولا. فهل سيظل الشعب العربي صامتا إلى الأبد وقد أغرقه القهر منتظرا الكاوبوي الأمريكي لينتشله من مستنقع الفساد، ويدله على طريق الإصلاح؟!! كلا إنه زعم يراد به باطل والإرادة العربية الحرة كفيلة بأن تتخلص من فساد القهر الداخلي ودفع الطغيان الأمريكي الصهيوني.
* أستاذ علم الاجتماع بالجامعات المصرية - بريد إلكتروني: