فهرس الكتاب

الصفحة 8237 من 27364

ولا يعنينا بالطبع أنْ تتحدث هذه المبادرات عن ضرورة قيام تلك الحكومات من تلقاء نفسها بالخُطُوات المطلوبة، أو عن طريق الحوار، فهو نوع من تقديم قُربان الطاعة، والقبول بالاحتلال طواعية، أي تحقيق الهدف بدون جهد، أو أنْ يقوم حلف الناتو بفرض ذلك بالقوّة إذا لم يكن انصياع تلك الدول طواعية!! . فالمحصلة في النهاية واحدة، وربما كان الانصياع والقبول بالتدخّل الأجنبي والقبول بإسرائيل والتعاون معها والانخراط في الجهد الأمريكي العسكري ضد الإرهاب، وغيرها طواعية أسوأ من الخضوع لذلك قهرًا!! . والمهم في كل الأحوال أنّ صيغة المبادرات لا تخلو من الإشارة إلى أنّ من حق"الناتو"أنْ يفرض ذلك بالقوّة!! . خاصة وأنّه قد توسّع شرقًا بل ووصل إلى حد الشّراكة مع روسيا ذاتها أي أنّ المستهدف بوضوح لعمليّات الملف هو المنطقة العربيّة خصوصًا ، والشرق الأوسط العربيّ الإسلاميّ عمومًا، وإلا فما الدافع العسكري وراء تَوَسّعه وشراكته مع روسيا؟ ولماذا يستمرّ الحلف أصلاً بعد زوال الخطر الشيوعيّ والسوفيتيّ؟ ماذا يعني امتداد حلف الناتو من غرب المحيط الأطلسي إلى أقصى شرق القارة الأوروبيّة وحتى جنوب المتوسط، وشراكته مع روسيا ووصول عدد أعضائه إلى 26 عضوًا وهو ما لم يحدث أيّام الحرب الباردة؟ ماذا يعني أنّ مسرح عمليّات حلف الناتو قريب جدًا - بالمقاييس الجغرافيّة البحتة- من المِنطقة العربيّة ؟

الاختراق الاستعماري

على كل حال فإن ما يسمّى بمبادرة"اسطنبول حول الشرق الأوسط الكبير"والتي تبنّاها حلف الناتو في مؤتمره الأخير باسطنبول 28، 29 ، يونيو 2004 تكشف الكثير من الحقائق حول طبيعة هذا الإصلاح والتعاون والدور الحقيقي لحلف الناتو في هذا الصدد . وقد تضمّنت تلك المبادرة:

ـ إنشاء قواعد عسكريّة لحلف الناتو بحيث ترتبط تلك القواعد الجديدة بالقواعد الموجودة"الأمريكية".

ـ من حق هذه القوات التدخّل بدون استشارة الحكومات المعنيّة في حالة وجود أزمة .

ـ إنشاء مكاتب لجمع المعلومات والتحليل ـ وإنشاء المكاتب الفنيّة المتخصصة التي تقدم توصيات في مجالات الأمن، والاقتصاد، والإصلاح الداخلي، والتعليم، والبيئة، ومحو الأميّة، والحقوق السياسيّة، والاقتصاديّة والاجتماعيّة ، وأنّ هذه المكاتب الفنيّة ستنتشر في الجهات العلمية والجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الوطنيّة المختلفة .

وبدهيّ أنّ الترجمة الحقيقيّة لهذه المقترحات هي الاختراق السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ والعلميّ، والاحتلال العسكريّ أيضًا إذا لزم الأمر .

ومن المقترحات أيضًا في مبادرة اسطنبول:

ـ إقامة علاقات شراكة وتعاون بين الدول العربيّة وإسرائيل، ويصل الأمر إلى حدّ إقامة مناورات عسكريّة مشتركة بين تلك الدول وإسرائيل، ومشاركة هذه الدول وإسرائيل مع أمريكا في عمليّاتها العسكريّة ضد الإرهاب .

ـ تغيير مناهج التعليم والتثقيف بما يتلاءم مع دعم ثقافة السّلام وتجفيف منابع الإرهاب .

ـ التدرّج في الإصلاح السياسيّ وحقوق الإنسان بما يتلاءم مع ظروف كل دولة .

ـ التحكم في تسليح الجيوش العربيّة بما يحقّق التوازن العسكريّ مع إسرائيل ـ والتفتيش الدوريّ على أسلحة الدمار الشامل في تلك الدول باستثناء إسرائيل .

وهكذا فإن مبادرات الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية الأقليات ...الخ التي رفعت بها أمريكا وحلفاؤها وعملاؤها عقيرتهم طويلاً قد تمخضت عن تأجيل هذا الإصلاح،والتدرّج فيه، ولكن الإسراع بفرض إسرائيل، والتعاون معها على دول المنطقة، واختراق هذه الدول أو حتى احتلالها إذا لزم الأمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت