( 4 ) هناك مشاريع مشتركة دولية يعلن عن قطع منها في أوقات ومناسبات متعددة , أهمها الموقف من الهجرة العربية والإسلامية"الهجرة غير المرغوبة"وهي هجرة الفقراء والباحثين عن العمل وسبل الرزق , وهذه غير هجرة العقول التي تقوم عليها كثير من المؤسسسات الغربية وخاصة في أمريكا .. فهناك إلحاح بأن يكون البديل من غير المسلمين , من الهند وأمريكا الجنوبية وشرق آسيا , لأن المسلمين يمثلون مشكلة حضارية دينية للغرب , ولهذا فإن الحكومات تميزهم تمييزًا عنصريًا بحجة التوازن , وبحجة أن المسلمين لا يندمجون في الثقافة المسيحية , مما يجعل"توني بلير"يدعو صراحة إلى وحدة التعليم الديني المسيحي في بلده , أي اعتماد الدولة العلمانية التدريس الديني المسيحي فقط .. فأي علمانية هذه! كما اقتضى الموقف الضغط على أوروبا بأن تستصدر قوانينًا خاصة"غالبًا موجهة ضد العرب والمسلمين , وبعضها نفذ من قبل أحداث نيويورك"وأن تكون لأوروبا سياسة شديدة ضد الهجرة من البلاد الإسلامية , وضد المسلمين , وضد نقل الأموال , ونقل التكنولوجيا , ومراقبة الطلاب المسلمين , واستصدرت الحكومة الأمريكية قرارًا رسميًا من الكونجرس بالمتابعة والتنصت على الطلاب الأجانب .. ومنعهم من بعض التخصصات , وحرمانهم من المميزات التي ينالها بقية الطلاب في الجامعات ـ بعض الجامعات لم تقبل بالتنفيذ السريع ـ والتحقيق مع الطلاب العرب , وتوظيف المخبرين في المساجد ؛ وهيج النصارى في العالم وأولياؤهم في حملة إرهاب وتخويف من المسلمين القادمين , وعادت ألقاب وشعارات البرابرة قادمون , والمسلمون قادمون , والحديث عن الثورة السكانية الإسلامية , واقتحام وحصار أوروبا دينيًا وسكانيًا .. وأن هولندا سيكون فيها بعد عشر سنوات مساجد أكثر من الكنائس . (4)
( 5 ) "جيمس روبين"ديموقراطي , زوج المذيعة الإيرانية"كريستانا أمبور"المهتمة بالعالم الإسلامي في"السي إن إن"والذي كان متحدثًا باسم الخارجية الأمريكية , ونائبًا فترة لوزيرة الخارجية"ألب رايت"في حكومة كلينتون , كتب مقالًا غريبًا في جريدة الجارديان البريطانية , ونقلته مجلة"سليت"نصح فيه العالم الغربي أن يحافظ على المسلمين أذلاء وفقراء , لأنهم كلما تحرروا أو اغتنوا تمردوا .. وفلسفة إفقار العالم الإسلامي كانت الشغل الشاغل لعدد من اليهود , ففي تقديمه أمام الكونجرس أصر نتنياهو على أن القضاء على الإسلاميين يستلزم القضاء على الثروة في بلاد الخليج العربي , وإفقار السكان فيها , فمن أصابه البعوض لا يقتلها واحدة واحدة ولكن يجفف المستنقع ـ كما يرى ـ أي تجفف الدول العربية من الثروة .. وشدد الباقون من بقية الجوقة على ضرورة إفقار المسلمين وتجويعهم ؛ فالجائع لا يحارب , وكتب"دانيال بايبس"في عدد من المجلات منها"ناشيونال انترست", يرد على فكرة"عامل الفقر"وأنها سبب الاعتراض والإرهاب في فلسطين وغيرها , وقال إن تجويع المسلمين قضاء على الإرهاب , حتى أصبحت بعض المجلات تنقل من نصوص كلامه , لتكون ضد من يقول أن الفقر سبب للإرهاب , فهو يرى أن المال والثروة سبب صعوده , وتجويع المسلمين إنهاء للإرهاب .
وبالتالي فمن الأهمية أن تساهم الدول العربية بجزء كبير من ثروتها لمحاربة الإرهاب , والجزء الباقي تساعد به في تأمين بدائل لبترول العرب , الذي جعلوا منه سببًا للإرهاب , وذلك بالمشاركة في تأمين الطريق لبترول آسيا الوسطى .
( 6 ) إن ما يحدث إلى الآن إنما هي أعمال إجرائية مؤقتة , تبحث عن فلسفة جامعة , ومحاولات كثيرة , يحركها الخوف والغضب والسخط , وغاب عنها الكثير من الحصافة ومن التعقل والهدوء , ورغم عمى التعصب والهياج , فسوف يجد الناس منطلقات للخير أنفع مما حصروا العالم فيه .. ومهما أدبر عن الإنصاف والتعقل قوم فلن يعدم الناس من عقلاء , وحريصين على مصالحهم عاجلها وآجلها .
وكثير مما سبق لا ينبني على مفرداته موقف , ولكنه يضيء جوانب من الواقعة , ونحن بحاجة لمعرفة ما يدور أحببنا ذلك أم كرهناه , لا لنزرع اليأس والعداء , ولكن للمعرفة , وللبحث في سبل خلاص الإنسان من جحيم الرعب الذي يهدده في كل مكان .. وبعث الخير والرحمة بالعباد , فدين الله رحمة للعالمين , ولن يطيق الناس ممن ذكرنا استفزاز بعضهم للمسلمين ؛ لن يطيقوا بقاء لغة الخوف والإرهاب والرعب , لغة للتعامل بين البشر في زمن تزيد حاجة كل إنسان للآخر , وتتماسك المصالح وتلح, فأمريكا في أوج عدائها للسودان لم تتخل عن استيراد الصمغ السوداني , والتخاصم مع العراق لم يمنع شراء أمريكا لبتروله , وفي أزمة الرهائن الإيرانيين كان هناك مفاوضات"إيران كونترا".. فالأفكار القطعية النهائية في العلاقات الدولية ليست كما يتوهم من يصوغ الموقف بأحادية فكرية شديدة , فأمريكا والغرب عامة لن يستطيعوا الخلاص من العالم الإسلامي وجواره له , ومصالحه معه , والمسلمون يحتاجون للغرب من أبسط احتياجاتهم اليومية إلى أكثرها أهمية .. والغرب ليس واحدًا دائمًا في مواقفه ومصالحه وأوقات التحالف عارضة ! وأوقات الخلاف أكثر !