بلا شك فإن الولايات المتحدة لا ترحب بالديمقراطية التي تأتي بالحركات الإسلامية الراديكالية - وفق التصنيف الأمريكي -، وبالتالي فإن الديمقراطية التي تريدها أمريكا هي الديمقراطية الليبرالية، وهي"ديمقراطية مشروطة"تفتح المجال للانتخابات النيابية ومحاربة الفساد السياسي وحرية التعبير، ومؤسسات المجتمع المدني، والحريات العامة والشخصية، ومصاحبة ذلك للتحول الاقتصادي نحو القطاع الخاص والاندماج في السوق العالمية، بناء على فرضية رئيسة هي: أن التحولات الاقتصادية المطلوبة مع فتح المجال لمؤسسات المجتمع المدني وحرية التعبير والحريات العامة ستفتح المجال لتحول اجتماعي واسع من خلال تبدل وتغير ثقافة الناس واهتماماتهم، واتساع نطاق الفئات المجتمعية التي تتأثر بالثقافة الغربية ومقولاتها الفلسفية، ونمو نسبة المثقفين والكتاب والسياسيين والشباب الذين يرتبطون بالمؤسسات الغربية سواء على الصعيد الفكري أو السياسي، والذين سيصوغون الخطاب السياسي والإعلامي، وسيؤثرون على النسبة الكبيرة من الشباب العربي ( الذين يشكلون أكبر الفئات العمرية في المجتمعات العربية) ، ويعملون على ملء الفراغ الفكري والثقافي لهم بدلاً من الحركات الأصولية، وهنا ينتقل ميدان مواجهة الحركات الإسلامية إلى داخل المجتمعات العربية، من خلال العمل على تجفيف منابعها الفكرية والتعليمية: (المساجد، المدارس الدينية) ، ومن خلال التأثير على رافدها البشري ( شريحة الشباب) ، أي محاصرتها في الداخل. والشق الرئيس في الحرب هو الجانب الثقافي والفكري أو بتعبير (رامسفيلد) :"حرب الأفكار".
ما أردت أن أقوله من خلال النصوص والملاحظات والنتائج السابقة - بجمل محددة: هو أنّ الهدف الحقيقي من وراء دعاوى الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي يتمثل في حفظ المصالح الحيوية الغربية بتغيير البنية الثقافية للمجتمعات العربية والمسلمة، وبالتالي فإنّ الولايات المتحدة وإن كانت تصر على الضغط على الأنظمة للمسارعة في التحولات المطلوبة؛ فإنّ تركيزها الأكبر هو على المجتمعات العربية وعملية التحول الثقافي فيها، الفكرة السابقة أكّدها وليام بيرنز بقوله:"إننا نشجع التغييرات البنيوية بعيدة المدى".
هذا التحول من الأنظمة إلى المجتمعات انعكس على اهتمام الدبلوماسية الأمريكية، والدعوات المختلفة التي صدرت عن خبراء أمريكيين بضرورة إجراء إعادة تكييف هيكلي وموضوعي لوزارة الخارجية لتتمكن من القيام بمهامها ومسؤولياتها الكبيرة في ظل التحول في السياسة الخارجية الأمريكية بعد أحداث أيلول.
ضمن الجهود الأمريكية لدراسة حالة الدبلوماسية الأمريكية، وازدياد موجة العداء للولايات المحتدة في أنحاء العالم؛ شكّل مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك قوة مهام لدراسة الموضوع، وقد كتب هذا الفريق المكون من عدد من الخبراء المتخصصين تقريرًا بعنوان"العثور على صوت أمريكا: استراتيجية لإعادة تنشيط الدبلوماسية العامة في العالم العربي" ( 9/ 2003 ) ، كما شُكّل فريق آخر يرأسه الخبير الأمريكي المعروف إدوارد جرجيان وخلص إلى مجموعة من التوصيات قدّمها في تقرير بعنوان"تغيير العقول لكسب السلام" ( 10 /2003 ) ؛ والذي يعنينا في التقريرين السابقين هو تأكيدهما على ضرورة الاهتمام بالتواصل مع المجتمعات العربية والمسلمة ، ومد جسور العلاقة مع الكتاب والصحفيين والمثقفين ، وفئات مختلفة داخل هذه المجتمعات، أو بعبارة أخرى الاهتمام بـ"الدبلوماسية الأهلية"في المرحلة القادمة .
الملاحظات والنتائج السابقة استوعبتها الوثائق الأمريكية الرئيسة الخاصة بسياسة الولايات المتحدة الجديدة تجاه الدول العربية؛ فقد أكدت وثيقة الأمن القومي الأمريكي على النية الصارمة لدى إدارة الرئيس بوش في ربط علاقتها بكثير من الدول بعملية التحول الديمقراطي والاقتصادي، كما ربطت الوثيقة المساعدات الاقتصادية بالتغييرات المطلوبة.
ثم جاءت مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط (ديسمبر 2002 ) وأكدت على إصرار الولايات المتحدة على قيام دول منطقة الشرق الأوسط بإصلاحات سياسية واقتصادية وثقافية . وفد نصت المبادرة على أن"أي معالجة للشرق الأوسط تتجاهل تخلفه السياسي والاقتصادي والتعليمي ستكون مبنية على رمال"، واستندت في دعوتها إلى الإصلاح وربطه بالنمو ومكافحة الإرهاب على المعلومات الواردة في تقرير التنمية الإنسانية عام 2002 .