فهرس الكتاب

الصفحة 8080 من 27364

أي: غلبهم الفرس، وسيُغلب الفرس على أيدي الرومان بوعد من الله جل جلاله ، ووقع ذلك ؛ إذ تولى هرقل عرش القياصرة فشن حربا ضروسا على الفرس استرد بها الشام ومصر , وهاجم الفرس في بلادهم ، وكسر قوتهم ، واستولى على أموالهم ، وفرض الجزية عليهم. ووضعت الحرب أوزارها بين الفرس والروم ليبدأ عهد جديد على أيدي المسلمين ؛ إذ بشر صلى الله عليه وسلم بفتح بلاد الفرس وبلاد الروم فقال عليه الصلاة والسلام: (( إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ) ) [1] .

وفي حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم (( لئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى ) ).

وبشر عليه الصلاة والسلام أول جيش مسلم يغزو الروم فقا صلى الله عليه وسلم: (( أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ) ) [2] .

وأخبر عن الاستيلاء على قصر كسرى فقال عليه الصلاة والسلام: (( عُصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض بيت كسرى ) ) [3] .

ولما وضعت الحرب أوزارها بين المسلمين والمشركين عقب صلح الحديبية كتب صلى الله عليه وسلم إلى ملوك العالم آنذاك يدعوهم إلى الإسلام ومنهم كسرى وقيصر ، فأما كسرى فأخذته العزة بالإثم ، واستكبر ذلك واستعظمه ؛ لما قام في قلوب الفرس من احتقار العرب ، والإزراء بهم، فمزق كتاب صلى الله عليه وسلم ، فدعا عليه صلى الله عليه وسلم أن يمزق الله ملكه كل ممزق.

وأما قيصر الروم فقد مشى من حمص إلى القدس شكرا لله تعالى لما نصره على الفرس ، فورد عليه كتاب صلى الله عليه وسلم وهو في بيت المقدس ، ثم طلب أحدا من العرب يسألهم عن صلى الله عليه وسلم ، فكان المسؤول أبا سفيان قبل أن يسلم ، وجرت المحاورة المشهورة التي أعلن فيها هرقل صدق صلى الله عليه وسلم وقال لأبي سفيان: ( وإن يك ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين ، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت قدميه) وكاد هرقل أن يسلم لولا خوفه على ملكه فخسر الإسلام وما بقي له الملك .

وبعد وفاة صلى الله عليه وسلم ، ووفاة الصديق أبي بكر رضي الله عنه ، وفي خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه كسر المسلمون الروم في وقعة اليرموك وفتحوا الشام وبيت المقدس بقيادة خالد وأبي عبيدة رضي الله عنهما ، وودع هرقل سورية وداعا لا لقاء بعده.

ثم كسر المسلمون الفرس في القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، وتتبعهم سعد في مواقع كثيرة إلى أن فتح الله عليه المدائن عاصمة الفرس ، وأخضعها للإسلام ، ودخل سعد قصر كسرى الأبيض الذي بشر صلى الله عليه وسلم بفتحه ، وصلى سعد رضي الله عنه في إيوانه.ثم قضى المسلمون على تجمعات الفرس في نهاوند بقيادة النعمان بن مقرن المزني رضي الله عنه سنة إحدى وعشرين للهجرة.

وهكذا انتهت الدولتين العظميين آنذاك فارس والروم على أيدي أهل الإسلام ، وأما شعوب هاتين الدولتين ، فكثير منهم دخلوا في دين الله تعالى ، وبقي كثير منهم تحت حكم المسلمين بعقد الذمة ، ثم أسلم أكثرهم لما عرفوا الإسلام، ورأوا عدل المسلمين فيهم ، ورحمتهم بهم ، حتى كانوا أرحم بهم من ساستهم الذين حكموهم من قبل ، وبعضهم هاجروا إلى بلاد لم يصلها الإسلام ، وبعضهم أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وعمل هؤلاء المنافقون الباطنيون على زعزعة المسلمين من داخلهم ببث الفرقة بينهم ، ونشر الأراجيف فيهم.

وذات يوم ظهر الحقد الفارسي المجوسي على عمر رضي الله عنه الذي فتحت فارس في خلافته؛ إذ طعنه غلام مجوسي كان يمسح على رؤوس الصبيان الفرس ويقول: أكلت العرب كبدي، أكل عمر كبدي ، فغدر بالمسلمين وقد أمنوه ، وقتل خليفتهم وهو يصلي بالناس ثم قتل نفسه.

وبعدها بسنوات قلائل أظهر ابن سبأ اليهودي المنافق نقمته على عثمان رضي الله عنه ، وأتبعها بادعاء التشيع لآل البيت ، حتى علا كعبه ، وظهر أمره ، وزاد أتباعه ، فسار على رأس فتنة قتلوا فيها الخليفة عثمان رضي الله عنه ، ومن ثم فرقوا الأمة ، وقسموها إلى طوائف ومذاهب ، واستحسن كثير من الفرس التمذهب بالمذاهب السبئية الباطنية التي تدعي التشيع لآل البيت ؛ بغضا للعرب، ومخالفة لهم ، لا محبة لآل البيت . وتبعهم في ضلالهم هذا كثير من دهماء العرب وجهالهم، وعادت العنصرية الفارسية لأهلها من جديد رغم أن الإسلام ألغى العنصريات والعصبيات الجاهلية، وكانت هذه المذاهب الباطنية قد استمدت أكثر عقائدها من عقائد اليهود ومبادئهم وكان هذا هو التقارب الثاني بين الفرس واليهود.

وبلغ من عصبية الباطنيين وحقدهم أنهم مالئوا أعداء الإسلام على المسلمين طوال تاريخهم ؛ فالعبيديون الباطنيون في مصر والشام سلَّموا رقاب المسلمين للصليبيين في الحملة الصليبية الأولى، ولم ينج من سيوف الصليبيين إلا حاكم بيت المقدس من قبل بني عبيد وحاشيته وأهله ؛ إذ خرجوا من القدس سالمين بأعين الصليبيين الذين قتلوا كافة المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت