فهرس الكتاب

الصفحة 7954 من 27364

ويمكن لأمريكا في هذا الوقت أن تظل على الحياد، وأن يكون أملها هو حماية تلك الدولة الكردية المستضعفة، كما سوف تستطيع الولايات المتحدة أن تهدئ مخاوف الأقطاب العالمية الأخرى، مثل الصين التي تعتمد على النفط الإيراني والذي سيظل يتدفق بلا توقف، وسوف تظل أمريكا حريصة على إرضاء كافة الدول الكبرى التي سترضى بقسمة من الكعكة العراقية، وعلى مستوى شعوب العالم ستكون لأمريكا «قضية أخلاقية» أخرى، غير تلك الخاصة «بتحرير الشعب العراقي» ، فتلك القضية سوف تصبح إعانة الشعب الكردي الصديق على نيل استقلاله وحق تقرير مصيره.

وقد بدأ التحضير الإعلامي الأمريكي والبريطاني لقضية التقسيم منذ وقت طويل، ومؤخراً كتبت (جاريث ستانسفيلد) في «الصنداي تيليجراف» البريطانية مقالاً صباح الأحد 19 مارس 2006 بعنوان: «هل ينقذ التقسيم العراق من نُذُر حرب أهلية؟» تقول فيه: «ومهما كانت الأسباب؛ فما من شك في حرج الموقف الذي يقف فيه العراق الآن. وبالرغم من الجدل الدائر بين السياسيين والأكاديميين بشأن ما إذا كانت هناك حرب أهلية تدور في العراق بالفعل، فإن الحقيقة هي أن العنف يظل موجوداً، ولا يزال هناك قدر كبير من الأمل بين عامة العراقيين» ، وهذا الأمل فيما تراه هو التقسيم.

وكتبت الصحيفة ذاتها خبراً ينقل عن (رامسفيلد) قوله: «نحن نحاول معرفة ماذا سنفعل إذا سقط العراق في دوامة حرب أهلية» ، ثم يضيف: «مجتمع الاستخبارات يفكر بشأن هذا ويحلله» . وبالطبع فإن مجتمع الاستخبارات هذا لم يبدأ اليوم ولا أمس، ولكنه بدأ منذ وقت مبكر للغاية، قبل غزو العراق بعدة سنوات، وتم تتويجه بمباحثات سرية مع الجانب الإيراني، وقد خرجت الكثير من التصريحات الإيرانية التي تصب في هذا الاتجاه أيضاً على لسان (عبد العزيز الحكيم الطبطبائي) وغيره، وقد صرح المذكور في 11 أغسطس 2005 في خطابه بمدينة النجف بمطالبته بإقامة إقليم فيدرالي يضم جنوب ووسط العراق.

ولا ريب أن أمريكا تدرس الآن كافة الحلول والخيارات الممكنة مع إيران؛ فما كان إرسال الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن إلا مقدمة للضغط على إيران قبل إجراء أي مفاوضات بشأن العراق، وربما تضغط أمريكا على إيران بأن تجمد الأخيرة برنامجها النووي نظير سماح أمريكا بقيام دولة شيعية في العراق المقسَّم، ونظير السماح لإيران أيضاً باستمرارها في ضخ النفط وتصديره إلى الصين، وبهذا تكون أمريكا قد ضربت عصفورين بحجر واحد: تجميد النووي الإيراني، وبسط نفوذها العسكري على المنطقة من خلال الدولة الكردية، وإرضاء الصين أحد أهم الأقطاب العالمية.

ويبدو أن الجانب الإيراني قد وصلته الرسالة الأمريكية من خلال الاجتماعات السرية بينهما؛ فقد صرح السفير الإيراني في أنقرة (فيروز دولت أبادي) لصحيفة «ميلليت» التركية بتاريخ 5 أبريل 2006 أن هدف الولايات المتحدة من مشروع الشرق الأوسط الكبير، هو إقامة دولة كردية مستقلة في المنطقة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تسعى لتأسيس دول عرقية صغيرة تخضع للسيطرة الأمريكية، وأوضح السفير الإيراني أن مشروع كردستان الكبير تم طرحه خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأن السياسات الرامية لتنفيذ هذا المشروع «لا تزال سارية حتى الآن» ، وأضاف أن أمريكا تتحرك لإقامة دولة كردية مستقلة على أن تقوم بعد ذلك باستقطاع جزء من الأراضي التركية والإيرانية لضمها لهذه الدولة.

كما أن أمريكا لن تجد فرصة لتأديب سورية أفضل من إقامة الدولة الكردية في المنطقة، كما أن تأليب أكراد سورية سيكون من أهم وسائل زعزعة النظام في البلاد، ولن تعدم أمريكا «جلبي» آخر، كردياً سورياً هذه المرة ليكون رأس الحربة في المنفى لزعزعة النظام، أو استغلال الآخرين لتحقيق مصالحها التي بدأت أبعادها تتضح في المنطقة. وسيكون لدى أمريكا العديد من الخيارات الاستراتيجية لتضخيم وتعزيز تلك الدولة الكردية التي ستنشأ عملاقة بعد الدعم الأمريكي لها وبسبب مصادرها الطبيعية الهائلة، وستكون بمثابة الدولة الأم: داعمة لكافة الأكراد في دول الجوار.

أما تركيا والتي صرحت مراراً وتكراراً بأنها لن تسمح بقيام دولة كردية في المنطقة فلن تستطيع مواجهة دولة تدعمها الولايات المتحدة دعماً مباشراً، كما أن الولايات المتحدة من خلال قنواتها الدبلوماسية تمتلك ورقة دخول تركيا للاتحاد الأوروبي؛ فهي كدولة رائدة في حلف شمال الأطلنطي «الناتو» تمتلك زمام دول أوروبا، ولا يخرج عن فلك أمريكا سوى فرنسا وألمانيا، وتستطيع طمأنة مخاوف تركيا بأنها لن تسمح للأكراد بانتزاع شبر من أراضيها، كما ستغض أمريكا الطَّرْف عن أية عمليات قمعية للجيش التركي لتطهير أراضيها من الأكراد الذين سيفرون إلى الدولة الجديدة، وبذلك تنعم تركيا ـ ولو مؤقتاً ـ بأمن قومي داخلي خالٍ من الانفصاليين الأكراد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت