فهرس الكتاب

الصفحة 7942 من 27364

والعقيدة هي الأساس المكين الذي ترتكز عليه فروع هذا الدين كله. ومن العبث محاولة إشادة بناء ضخم بلا أساس . ومن هنا: فإن محاولة تتبع فروع الشريعة بالتفصيل والتعليل , هو اشتغال بالمهم عن الأهم. ولا يمكن أن تؤتي المحاولة أكلها التي نرجوا, والثمار التي نأمل . ومن الأولى أن نتبع المنهاج الرباني في بناء هذا الدين للنفس البشرية. وذلك بترسيخ العقيدة أولاً في الأعماق. ثم مطالبة النفس بعدها بأوامر الشريعة كلها. إذ أن المنهاج الرباني في تربية النفس جزء من العقيدة ذاتها .

ولا ننسى أن الداعية إلى رب العالمين, لابد أن يتمثل فيه المنهاج الإلهي كاملاً, ولا بد أن يكون مصحفاً يمشي على الأرض, يتحرك فيتحرك بحركته القرآن . فالداعية يطالب بالشريعة كاملة. ولكنه في الوقت نفسه , لا يطالب الناس بفروع الشريعة قبل أن يعلمهم هذا الدين, ويشد أنظارهم إلى إطاره الكامل الشامل , وبعد أن يرسموا في أذهانهم الصورة الكاملة . يدخل معهم داخل الإطار ليعلمهم تفاصيل هذا الدين وتفريعاته . وهكذا قام الإسلام أول مرة في النفوس البشرية, وهكذا يقوم في كل مرة يحاول فيها بناء هذه النفوس بالإسلام. ولا مناص من اقتفاء هذا السبيل ولا مفر من انتهاجه. فكما أن هذه الأوامر والنواهي فريضة من عند الله , واتباعها فرض لازب في رقابنا , فكذلك اقتفاء المنهج الرباني في بناء النفس فرض كذلك . وكل محاولة لإقامة هذا الدين بغير هذا المنهج الرباني لابد أن تبوء بالفشل . وذلك لأن هذا الدين لا يكون ولن يكون إلا كما أراد الله. ولن يبنى إلا بنفس المنهج الذي رسمه رب العالمين. وكل منهج بشري نستعمله لإيصال حقيقة هذا الدين إلى الناس هو فاشل لا محالة. وهو عبث و ملهاة ولعب.

لابد من إتباع المنهج الرباني القيم الذي رسمه رب العالمين. وسلكه سيد البشرية صلى الله عليه وسلم لإيصال دين الله إلى قلوب البشر ولابد من البدء بالعقيدة. من تعريف الناس بإلههم الحق, وبحقيقة وجودهم على هذه الأرض , والمهمة المنيطة بهم إبان مرورهم بهذه الدنيا. من المسؤول عنهم؟ أي منهج يجب أن يحكمهم؟ صلة هذا الإنسان بالكون من حوله , مكانة هذا الكائن من الكون , وبعبارة أقصر إقرار جلال الله ورهبته وهمينته في أعماق قلب الإنسان وطريقة الوصول إلى رضاه.

ومن ثم وفي هذا الوقت , فإني لا أرى تتبع الجزئيات من هذا الدين في سلوك الناس. كالشرب باليمين, وترك التدخين , والشرب جالساً, إلى غير ذلك من هذه التفاصيل التي لا تحتملها ولا تطيق الدوام عليها إلا نفوس بنيت على العقيدة, وجبلت بعظمة الإيمان . لا بد أن نبدأ مع النفس البشرية من حيث هي , بحيث نلتقطها من هذا الحضيض الذي هبطت إليه. ثم نسير معها صعدا نعطيها الإيمان جرعة جرعة. نواكبها في نموها ونقيل عثراتها. ونردها من هنا ونهذ بها من هناك, حتى تشب قائمة على عمودها , صلبة لا تهزها الزلازل والأعاصير. وهنا فقط نطلب منها كل ما يريده الله منها, فتنفذ وهي راضيه مستسلمة مطمئنة أن الخير كله فيما نفذت . لأن الخير كله منحصر في منهج الله والشر كله الشر في الخروج عن منهاج الله .

? فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ? (طه 126/124) .

وأعود فأذكر أن النفوس التي تقدم الإسلام للناس , لا مناص لها من أن تكون شريعة تدب على الأرض, وتأخذ بالعزائم . ولا بد لها من أن تكون المرآة الصافية التي تعكس حقيقة هذا الدين أصوله وفروعه, إذ لابد لها من أن يكون لحمها و دمها هو هذا الدين الذي إليه تدعوا, والمنهاج الذي تهتف بالناس أن ينهجوا. ? هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ? (ابراهيم:52) ...] .

( ثم يقول) :

[ فالعقيدة تمثل الأساس للبناء, والعمارة الضخمة لابد لها من أساس مكين وقاعدة صلبة حتى يستقر فوقها البناء. وهنا يبرز عامل آخر ينبثق عن هذه الحقيقة, وهي أنه لابد من بناء الأساس قبل الشروع برفع البناء , و إلا فسينهار البناء كله. لابد من البداية مع أي نفس ندعوها إلى هذا الدين أو نريد تربيتها على أساس الإسلام من الإيمان أولا , وقبل كل شيء, خاصة في هذا العصر الذي بهت فيه مفهوم العقيدة في نفوس أبناء هذا الجيل المنتسب إلى الإسلام , لابد من انتهاج نفس الطريق الذي انتهجه رسول ا صلى الله عليه وسلم من تثبيت العقيدة في النفس ثم مطالبتها بالفروع .لابد أن نعرف الناس بربهم وعظمته و هيمنته على الكون, فهو مالك الملك, وهو الذي بيده ملكوت كل شيء. وهو القاهر فوق عباده, وهو الذي إليه يرجع الأمر كله, وهو الخالق الرازق.. لابد من هذه البداية. أما أن نبدأ فنطالبهم بتطبيق فروع الشريعة وهم لم يعرفوا صاحب الخلق والأمر, فهذا عبث ومحاولة لاستنبات البذور في الهواء.] .أهـ. انتهى النقل من كلامه رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت