إنّ قراءة المقال السابق بشكل جيد تضعنا - في رأيي الشخصي - على الطريق الصحيح في فهم الإصلاح الثقافي المطلوب؛ إذ أن الجهود والرؤية الأمريكية لا تتوقف عند حدود القيم السياسية، وإنما تتعداها كما هو واضح في مشروع"الشرق الأوسط الكبير"إلى المرأة وتحديث المجتمعات، والتغير في مناهج التعليم، ودور الانترنت والمجتمع المدني والفئات المختلفة في المجتمعات العربية.. إلخ.
من ناحية أخرى فإن التحولات السياسية والاقتصادية تجلب معها القيم الاجتماعية المرتبطة بها، والمكونة من مفاهيم حاكمة على تصورات الإنسان وسلوكه الاجتماعي والأخلاقي، والحرية المقصودة بالدرجة الأولى هي الحرية الشخصية والاجتماعية وليست السياسية، والناظر في المجتمعات العربية التي دخلت في طور الخصخصة واقتصاد القطاع الخاص يجد تغيراً ملحوظاً في الثقافة الاجتماعية، خاصة لدى فئات الشباب والعنصر النسائي، مع ولوج المرأة إلى سوق العمل والأماكن المختلطة إلى فترات ممتدة إلى الليل، أو مع تنشيط قطاع السياحة والخدمات العامة، ناهيك عن دور الإعلام المرسوم بدقة لتحقيق هذه الأهداف كما سيأتي لاحقاً.
إن تكامل الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية المطلوبة أمريكيّاً في المجتمعات المسلمة يعني خلق بنى اجتماعية تحمل تصورات ثقافية متأثرة بشكل كبير بالنموذج الأمريكي في نظرتها إلى الحياة والمجتمع، وفي سلوكها الأخلاقي، وهذا الجانب من التأثير والهيمنة أخطر بكثير من الجانب العسكري المباشر، وهو الذي أطلق عليه الخبير الأمريكي جوزيف ناي مصطلح"القوة الناعمة"The Soft Powe صلى الله عليه وسلم
المشروع الأمريكي الطموح في الإصلاح الثقافي، وفي نشر النموذج الأمريكي في المجتمعات المسلمة والعربية ليس جديداً على الدبلوماسية والمؤسسات الأمريكية؛ بل هو امتداد للحرب الباردة الثقافية، التي بدأتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ضد الاتحاد السوفيتي، ولكن هذه المرة ضد العدو الجديد وهو الحركات الإسلامية في حرب باردة ثقافية ثانية The Second Cold Wa r كما أشار إلى ذلك عدد من المفكرين الأمريكيين (في وصف الحرب مع الحركات الإسلامية) .
بناء على ما سبق؛ فإن الدبلوماسية الأمريكية بدأت بالفعل بالتوجه إلى المجتمعات العربية والمسلمة من خلال العديد من آليات العمل: البعثات الدراسية لنخب من المثقفين العرب، نشر الكتب والمجلات الأمريكية باللغات المحلية، دعم مؤسسات المجتمع المدني التي تتبنى القيم الليبرالية وتنشرها كمراكز الدراسات، ومراكز حقوق الإنسان، دعم الحركات النسوية ذات الطابع الليبرالي، والتركيز على النساء في عملية الإصلاح المطلوب، تعزيز التبادل الثقافي والمنح التي توجه إلى المثقفين والسياسيين لزيارة الولايات المتحدة، دور المنظمات غير الحكومية في تنشيط المجتمع المدني باتجاه التغريب، تقوية الارتباط بين عدد كبير من أصحاب الرأي والكتاب والمثقفين والصحفيين وبين المؤسسات الأمريكية، وتوزيع الجوائز والرشاوى المغدقة عليهم.
يضاف إلى ما سبق إنشاء مؤسسات إعلامية تنشر الثقافة الأمريكية، وتتبنى رؤيتها السياسية في المنطقة، كإذاعة"سوا"وقناة"الحرة"، وعدد من المجلات المختلفة، بيد أن الغريب والملفت حقاً للانتباه في الفترة الأخيرة هو الدور المشبوه والخطير الذي تقوم به عدة محطات فضائية عربية ذات أصول تمويلية معروفة ببث برامج شبابية خطيرة جدّاً، تتضمن وجود مجموعة من الشباب والفتيات في منازل مشتركة لفترات طويلة تستمر إلى شهور يعيشون معاً، وتذوب بينهم الحواجز، ويصل الأمر إلى حد ممارسات لا أخلاقية ضمن البرامج، وهذه البرامج وجرأة الإقدام عليها وتماهيها مع المشروع الأمريكي - بالنسبة لي - محير، ويدفع إلى البحث والتفكير حول مُعدي هذه البرامج وأهدافها وخطورتها، وأنا أشير هنا إلى برنامج يقدم على قناة أل LBC بعنوان"ستار أكاديمي"، وبرنامج يقدم على قناة MBC الثانية بعنوان"الأخ الأكبر"، والغريب أن هناك فتيات خليجيات في البرنامجين على الرغم أن المجتمعات الخليجية مجتمعات محافظة، كما أن البرنامج الثاني يصور في دولة البحرين مما أثار مشاكل كبيرة هناك (انظر: صحيفة الحياة: الأخ الأكبر"ينذر باستجواب وزير الإعلام البحريني، 25 /2/2004) ، وكل هذا وذاك يدفع إلى أخذ مسألة التحول الثقافي بمنتهى الجدية."
وبعد،..
هل ستنجح الولايات المتحدة في تنفيذ مخططاتها في المنطقة؟ وهل ستتمكن من المضي قدماً في التأثير على المجتمعات العربية والمسلمة؟ في المقابل هل نرفض الإصلاح العام؛ لأن الولايات المتحدة تطالب به؟
بالتأكيد إن المرحلة القادمة خطيرة وحرجة، وتتطلب وعياً من نوع خاص وعلى مستوى عال من أهل الفكر والثقافة والحركات والمؤسسات الإسلامية، وتتطلب أيضاً مراجعة جذرية وحقيقية لخطابنا الإسلامي وكثير من مفرداته، وكذلك الأمر أدواته ولغته ومنهج مخاطبة الناس، فلا يكفي نقاء الفكرة كي تصل إلى الناس فلا بد من توخي الحكمة من خلال اللغة والأسلوب وأدوات الخطاب المختلفة.