في وسط هذا الجو المكفهر شاء الله أن تنطلق دعوة التوحيد من أرض الجزيرة العربية، كما انطلقت شرارتها الأولى منها، وبلاد نجد أنسب البقاع لظهور الحركة التجديدية حيث بقيت هذه البقعة بعيدة عن سيطرة الدول الكبرى. انطلق صوت الشيخ مناديًا بالعودة إلى نقاء التوحيد، يقول في رسالته إلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي أحد علماء العراق:"أخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، مما هو من حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.." [2] ، ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن:"ثم إن شيخنا رحمه الله كان يدعو إلى إقامة الفرائض ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأقواله في أصول الدين مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وأما في الفروع والأحكام فهو حنبلي المذهب" [3] .
إن رسائل الشيخ الكثيرة ومصنفاته تؤكد يقينًا بأنه لا يدعو إلا لعقيدة السلف في جميع أبواب الاعتقاد، وسيرته الشخصية تؤكد على ذلك، وما كتب تلامذته وأنصار دعوته تؤكد ذلك أيضًا، وهو على كل حال ليس معصومًا، وإذا أخطأ في شيء فالعلماء الثقات الأتقياء هم الذين يصححون ويبينون مواطن الخطأ، وهذا عند أهل السنة واضح لا لبس فيه كما قال الإمام مالك (كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر) يشير إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم .
ليست بدعًا من الدعوات الإصلاحية:
من سنن الله الكونية أن الدجاجلة والكذابين ينكشف أمرهم بعد مدة قصيرة كصاحب القاديانية أو البهائية.. بينما نرى أن دعوة الشيخ التجديدية - ودعوات التجديد مستمرة في التاريخ الإسلامي - نراها قد ترسخت في نجد ووصلت إلى أماكن أخرى في العالم الإسلامي، وما تزال تقوى وتزداد رسوخًا على مر الأيام، وقد تأثر بدعوة الشيخ بعض العلماء المصلحين من شتى الأقطار مثل الشيخ نذير حسين الدهلوي في الهند والشيخ علي السويدي في العراق. والشيخ محمد بن ناصر الشريف التهامي في اليمن، وكان للدعوة تأثير في غرب أفريقيا والمغرب العربي وقام علماء كبار بعد الشيخ يدعون للرجوع إلى الكتاب والسنة وترك البدع والخرافات، سواء تأثروا بالشيخ أم لم يتأثروا، مثل العالم الكبير الشوكاني في اليمن، والعالم جمال الدين القاسمي في الشام والعالم محمود شكري الآلوسي في العراق، فهل يقال أن هؤلاء وهابيون؟.
إن الرجوع إلى العقيدة الصافية النقية كان ديدن حركات إصلاحية وعلماء في المشرق والمغرب، ففي الهند قامت دعوة تدعو إلى تطهير الاعتقاد من الخرافات والشرك قادها أحمد بن عرفان الشهيد (1201 - 1246) والشيخ إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي (1193 - 1246) وقد ألف الشيخان كتبًا حول هذا الموضوع مثل (الصراط المستقيم) و (رد الإشراك) وهو يشبه ما ألفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب (كتاب التوحيد) يقول الشيخ إسماعيل بن عبد الغني مؤلف رسالة (رد الإشراك) التي ترجمها الشيخ أبو الحسن الندوي بعنوان (رسالة التوحيد) يقول:"ذكرنا في هذه الرسالة جملة من الآيات والأحاديث ذات صلة قوية بالتوحيد واتباع السنة وذم الشرك والبدعة". ويقول العلامة صديق حسن خان عن الشيخ إسماعيل:"ولم يكن ليخترع طريقًا جديدًا في الإسلام كما يزعم الجهال وقد قال الله - تعالى: (( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) ) [آل عمران:79] " [4] .
وفي المغرب العربي قام الشيخ مبارك الميلي (1896 - 1945 م) وهو أحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، قام بتأليف (رسالة الشرك ومظاهره) يقول في مقدمته:"وقد مرت أعصر أهمل جل العلماء فيها شأن الدعوة أو حادوا فيها عن أسلوب القرآن والحديث، فجهل جمهور المسلمين عقائد الإسلام، وطرأ عليهم عقائد زائفة وبدع سائدة" [5] فالدعوة واحدة، عندما تريد الإصلاح تبدأ بالعقيدة، وقد كتب الشيخ مبارك هذا الكتاب قبل أن يهدى له مجموعة من الكتب منها: تطهير الاعتقاد لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد.
لماذا تحارب هذه الدعوة؟:
إن الدعوة إلى التوحيد والعبودية الخالصة لله، تحرر الإنسان من العبودية للإنسان، تحرره نفسيًا واجتماعيًا من الخضوع للخرافات وتسلط الطغاة، تحرره من الصنمية سواء أكانت للأشخاص أم للأشياء فمن هو الذين يكره هذه الدعوة؟ إنهم أهل الاستكبار والفساد في الأرض، وأول من يحارب هذه الدعوة هو الغرب الاستعماري والصهيونية العالمية.