فهرس الكتاب

الصفحة 719 من 27364

لكن المعالجة الرسمية تركز على تحقيق الأمر الأول فقط، ولا تلتفت على الإطلاق إلى الأمر الثاني؛ فهل يمكن أن يؤدي مجرد الضبط الأمني بتذويب المؤسسات الخيرية إلى تحقيق الفائدة المرجوة..؟!

والجواب البدهي بكل وضوح: أن هذا لن يتحقق على الإطلاق، بل سوف تتفتح ثغرات كبيرة لا يمكن السيطرة عليها. وصناع القرار في هذه الدول يدركون أن بإمكانهم وضع إجراءات رقابية على أصول المؤسسات وممتلكاتها، مع بقاء استقلاليتها وخصوصيتها المؤسسية والإدارية بدلًا عن تذويبها، والمؤسسات الخيرية لا تأبى ذلك فيما أحسب؛ فالتنظيم والإشراف الإداري مطلب لا يعترض عليه أحد.

أما في حالة إلغاء المؤسسات الخيرية، وتكوين مؤسسة حصرية واحدة؛ فإن العامة والخاصة لن يثقوا بإعطاء أموالهم لتلك المؤسسة الجديدة، ولن يتعاطفوا مع أنشطتها وبرامجها، حتى لو كانت أسماء بعض أعضائها مقبولة بادئ الأمر، خاصة إذا عرفوا أن لجنة رسمية عليا ستشرف عليها. وسوف يؤدي ذلك بالتأكيد إلى أن يبحثوا عن قنوات فردية مأمونة عندهم.. فبدلًا من أن تتابع الجهات الأمنية عددًا محددًا من المؤسسات الخيرية واضحة الأنشطة، تتميز بالشفافية الإدارية والمالية؛ ستضطر إلى متابعة مئات الأفراد من هنا وهناك، وسيتسع الخرق على الراقع، ومن أين للجهات الأمنية السيطرة على مثل هذا أو رقابته..؟!

ولهذا فإنني أجزم يقينًا بأن القرار لن يؤدي إلى الانضباط الأمني؛ بل سيؤدي إلى خلل كبير يصعب احتواؤه..!

إن العمل الخيري قطاع مستقل عن قطاعات الدولة، يمثل أرقى صور المجتمع المدني الذي يتنادى الجميع بتفعيل مؤسساته، وهو قطاع تكاملي يوظف طاقات الأمة الإنسانية في بناء مجتمعات متكافلة ومستقرة نفسيًّا واجتماعيًّا، فمتى تم احتواؤه من المؤسسة الرسمية فَقَدَ صدقيته وتعاطُف الناس معه، وتعاملوا معه كما يتعاملون مع أجهزة الدولة الأخرى!

والعاملون في القطاع الخيري نحسبهم والله حسيبهم لا يتطلعون إلى حمد الناس وشكرهم وثنائهم، ولا يتشوفون إلى مغنم أو جاه أو شرف دنيوي، ولا يتسابقون إلى الأضواء وتلميع ذواتهم، بل يُقبلون على العطاء والبذل تقربًا إلى الله - عز وجل - ، ويضحون بأوقاتهم سعيًا في حاجات الناس وتخفيف كرباتهم، وفي الوقت الذي يتنافس فيه أهل الدنيا على أهوائهم ومكاسبهم الشخصية؛ يتسابق أولئك بأكف ندية إلى بذل المعروف وإغاثة الملهوفين والمنكوبين.

َأمثل هؤلاء يُخذلون، ويُسلَمون لاتهامات جائرة..؟!

أنضيق ذرعًا بإنسانيتهم، ونتبارى في تطويعهم وترويضهم..؟!

أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت