هذا وقد يتبيّن لكل ذي بصيرة ، أنَّهم عندما يدعون الناس إلى مخالفة الشريعة الإلهيّة ، زاعمين أنهم يمنحونهم الحرية ، أنها خديعة وفخ يصيدون به المغفلين من ضعاف العقول ، وبغيتهم أن يخرجوا الناس من عبادة الله تعالى وحده باتباع صراطه المستقيم ، إلى عبادة مفكِّريهم ومنظِّريهم ، وإلى إتِّباع أهواءِهم والسيرِ على مناهجهم الضالَّة ، وعندما يقولون للشعب أنت حرُّ في أن تفعل ما تشاء ، فكأنهم يقولون له كن أسيراً وعبداً لشهواتك وهواك ، ولنزغ الشيطان ، ذلك أن دأب الشيطان أن يزين للإنسان فعل السوء والفحشاء ، ويوسوس له بالشر والضلال فيطيعه ويتبعه ، وهو يظنُّ أنه حرُّ في تصرفاته ، بينما هو متبع مستعبد للشيطان من حيث لايشعر ، كما قال تعالى ( وزيَّنَ لَهُم الشَيطانُ أَعمالَهُم فَصَدَّهُم عَن السَّبِيل ) العنكبوت 38وقال سبحانه أيضا ( وَلَقَد صَدَّقَ عَلَيهِم إبلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوه إلاَّ فَريقاً مِنَ المؤمِنِين ) سبأ 20 وقال سبحانه ( وَمَن يَعشُ عَن ذِكرِ الرَّحمَن نُقَيِّض لَهُ شَيطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِين ) الزخرف 36 ومعنى يعش عن ذكر الرحمن ، أي يَعمى عن اتباع ما أنزل الله تعالى 0
فالليبراليِّة إذاً إنما تقول للناس دعوا عبادة الله تعالى واتباع شريعته ، إلى طاعة وعبادة الهوى والشيطان ، فهي تدعو إلى الشرك والكفر وفعل الفحشاء والمنكر 0
وهي عندما تزعم أنَّه لايوجد حقُّ مطلق إلا الحريَّة والتغيُّر ، فإنها تكفر بثوابت القرآن والسنة ، وبأحكام الشريعة المحكمة التي أنزلها الله تعالى لتكون نبراساً لهداية الناس إلى يوم القيامة ، وما الشريعة إلا الحق المبين الراسخ الذي لايتغيَّر ولايتبدَّل مهما تغيَّر الزمان والمكان 0
كما قال تعالى واصفاً نفسه العليَّة ( أَفَمَن يَهدِي إلى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَع أَمَّن لايَهِدِّي إلاَّ أَن يُهدى فَما لَكُم كَيفَ تَحكُمُون ) يونس 35 وقال سبحانه ( فَذلِكُم اللهُ رَبُّكُم الحَقَّ فَماذا بَعدَ الحقِّ إِلاَّ الضلال فأنى تصرفون ) يونس 32 وقال سبحانه ( والذينَ هُم بآياتِنا يُؤمِنُون ، الذينَ يَتَّبِعُون النَّبيَّ الأُمِيَّ الذي يَجِدُونَهُ مكتوباً عِندَهُم في التَوراةِ وَالإنجِيل يَأمُرُهُم بِالمَعرُوفِ وَيَنهاهُم عَن المُنكَر ، وَيُحِلُّ لَهُم الطَيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِم الخبائِث ) الأعراف 156، 157 0
وكما قال تعالى ( قُل ياأَيُّها النّاسُ إِنيِّ رَسُولُ اللهِ إلَيكُم جمَيعاً الذي لَهُ مُلكُ السمواتِ وَالأرضِ لاإلهَ إلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيت ، فَآمِنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِيِّ الذي يُؤمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُم تُهتَدُون ) الأعراف158 0
وكما قال تعالى ( الذينَ إِن مَكَّناهُم في الأرضِ أَقامُوا الصلاةَ وَآتَوا الزَكاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَنَهَوا عَن المنُكَر وَللهِ عاقِبَةُ الأمور ) الحج 41 0
والليبراليّة عندما تسوي بين دين الله الحق وغيره من الأهواء الباطلة ، وعندما تسوّي بين المؤمنين بالله تعالى المتبعين لدينه ، والكافرين به ، بزعم أن الجميع سواء في مبدأ الحريّة ، فهي بذلك تشرّع شريعة تناقض شريعة الله تعالى القائل ( أَفَمَن كانَ مُؤمِناً كَمَن كان فاسِقاً لايَستَوُون ) السجدة 18 والقائل ( أَفَنَجعَل المُسلِمِين كَالمجُرِمِينَ ، مالَكُم كَيفَ تَحكُمُون ) القلم 35، 36 0
والمذهب الليبراليّ بهذا المنهج الضال ، يبطل دين الله كله ، ويطوي أحكامه التشريعيَّة برمَّتها ، ويضع بدلها أحكاما أخرى من عنده ، أحكاما لاتقيم وزنا لما أنزله الله تعالى من البيَّنات والهدى والكتاب المنير 0
والخلاصة أن المنهج الليبراليّ ليس سوى الضلال بعينه ، وهو الكفر والشرك برسمه واسمه ، وماهو إلاّ صدُّ عن سبيلِ اللهِ تعالى ، ونَقض لأحكامِ اللهِ تعالى ، ودعوة للناس إلى الخروج عن شريعة الله تعالى ، وإشاعة الفوضى الفكرية والعقائدية في حياة الناس 0
هذه هي الليبراليّة ، وحكمها في الإسلام هو نفس حكم العلمانيّة سواء بسواء ، لأنها فرع من فروع تلك الشجرة ، ووجه آخر من وجوهها 0
وبهذا يعلم أنه يجب شرعا ، بل هو من أهم واجبات الدين ، أن يُبَيَّن للمسلمين خطر هذه الأحزاب العلمانية والليبرالية ، ويُوَضَّح لهم ما تشتمل عليه من أفكار تهدم العقيدة والشريعة والأخلاق ، ويجب أن يُدعى أصحابُها إلى الإسلام ، ويُكشف لهم حكم الإسلام في حقيقة مذهبهم الذي يعتقدونه ، وأنه مناقض للإسلام تمام المناقضة ، وأن في تركهم له نجاتهم من الهلاك 0