11ـ وقال سبحانه ( كان النّاسُ أمَّةً واحدةً فَبَعَثَ اللهُ النبيِّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنذِرينَ وَأَنزَلَ مَعَهُم الكِتابَ بالحقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النّاسِ فِيما اختَلفُوا فِيه ) البقرة 213 فبيَّن أنَّه أنزَلَ الشريعةَ لِكَي تَكونَ حاكمة بين العباد في كل صغير وكبير من شئون حياتهم ، وفي كل ما يختلفون فيه 0
12ـ وقال سبحانه ( فلاوَرَبَّكَ لايُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لايَجِدُوا في أَنفُسِهِم حَرَجاً مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيماً ) النساء 65، فكل من وجد في نفسه حرجا من شيء مما أنزل الله تعالى ، فقد أقسم الله تعالى بنفسه العليَّة أنه لايكون مؤمنا 0
13ـ وقال سبحانه ( ثُمَّ جَعَلنَاكَ عَلى شَرِيعةٍ مِنَ الأَمرِ فاتَّبِعها ولاتَتبَّع أَهواءَ الذِينَ لايَعلَمُونَ ، إنَّهُم لَن يُغنُوا عَنكَ مِنَ اللهِ شَيئاً وإنَّ الظالِمينَ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعض واللهُ وليُّ المُتَّقِين ، هذا بَصائِرُ للنّاسِ وَهُدى وَرَحمَةُُ لِقَومٍ يُوقِنُون ) الجاثية 18ـ 20 والعلمانيون هم الذين يتبعون أهواء الذين لايعلمون من كفرة ملاحدة أوربّا الضالّين 0
وقد أمر الله تعالى نبيّه الكريم في هذه الآية الكريمة أن يستقيم على الشريعة ، ونهاه أن يتبع أهواء الجاهلين ، وبين أنه أنزل هذا القرآن المشتمل على الشريعة التامة ، فهي البصائر والهدى والرحمة ، وغيرها الضلال والحيرة والجهل 0
فهذه أربع عشرة آية في الكتاب العزيز ، ونظائرها أكثر من أن تحصر في هذا الموضع ، وكلها دالة دلالة قطعية على أن من علم حكم الله تعالى ، ثم رفض أن يلتزمه معتقدا أنه يسعه ذلك فهو كافر بالله تعالى ، ولاينفعه زعمه أنه مؤمن بروح الشريعة أو جوهر الدين كما يقول العلمانيون والليبراليون 0
هذا ولم يقرِّر القرآن أصلاً بعد توحيد الألوهية كما قرر هذا الأصل العظيم ، وهو وجوب الاحتكام إلى الشريعة الإلهية ، وطاعة الله ورسول صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به ، مما يُؤذن بخطر التهاون في هذا الشأن العظيم ، كيف وقد قرر القرآن أن الإعراض عن الشريعة واتباع غيرها عبادة للطاغوت ، كما تقدم في آية سورة النساء ، ورحم الله العلامة ابن القيم اذ يقول ( فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله ، أو يعبدونه من دون الله ، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله ، أو يطيعونه فيما لايعلمون أنه طاعة لله ، فهذه طواغيت العالم إذا تدبرتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت ) إعلام الموقعين (1/50)
ثالثا
بيان معنى الليبراليَّة
وأنها ليست سوى وجه من وجوه شجرة العلمانيَّة الخبيثة
الليبراليَّة هي وجه آخر من وجوه العلمانيِّة ، وهي تعني في الأصل الحريِّة ، غير أن معتنقوها يقصدون بها أن يكون الإنسان حراً في أن يفعل ما يشاء ويقول ما يشاء ويعتقد ما يشاء ويحكم بما يشاء ، فالإنسان عند الليبراليين إله نفسه ، وعابد هواه ، غير محكوم بشريعة من الله تعالى ، ولا مأمور من خالقه باتباع منهج إلهيّ ينظم حياته كلها، كما قال تعالى ( قُل إنَّ صَلاتي ونُسُكِي وَمَحيايَ وَمَماتي للهِ رَبَّ العالَمِينَ ، لاشَريكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرتُ وَأَنا أَوَّلُ المِسلِمين) الانعام 162، 163 ، وكما قال تعالى ( ثمَُّ جَعَلنَاكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمرِ فَاتَّبِعها وَلاتتَّبِع أَهواءَ الذِينَ لايَعلَمُون ) الجاثية 18
وكما قال تعالى ( وأن احكُم بَينهُم بِما أَنزَلَ الله ولاتَتَّبِع أَهواءَهُم ) المائدة 49 ، وغيرها من الآيات الكثيرة 0