-خبر مصادرة خمسة كتب للمستشار سعيد العشماوي في معرض القاهرة للكتاب.
-نعم, وقد آلمني الأمر, وأحزنني أشد الحزن.
-آلمك وأحزنك? اسمح لي أسألك: علي من أحزنك الخبر?
-علي المستشار العشماوي بطبيعة الحال.
-علي المستشار العشماوي? استاذي الكبير. منذ أذيع خبر المصادرة أي في بحر ثلاثة أيام بيع سبعة آلاف نسخة من كتاب معالم الإسلام, وخمسة آلاف نسخة من كتاب أصول الشريعة, وستة عشر ألف نسخة من كتاب «الخلافة الإسلامية» وهلم جرا, كم نسخة بيعت من كتابك «الإمام» حتي الآن?
-ثلاثة آلاف.
-اتفرج يا سيدي, وأنا لم أبع من كتابي «الحقيقة الغائبة» غير ألفي نسخة.
-كم يدفع ناشرك مقابل إعلان صغير عن كتاب لك في الأهرام أو الأخبار?
-ستمائة جنيه علي الأقل.
-والمستشار سعيد العشماوي تتهافت الكتب والمجلات اليوم علي نشر الأحاديث معه والمقالات له علي ثلاث صفحات أو أربع, ومع صورة كبيرة له دون أن يدفع شيئًا, بل ربما دفعت هذه الصحف والمجلات له المكافآت عن هذه الأحاديث والمقالات.. ارفع سماعة تليفونك, واتصل به هو نفسه لتدرك مدي تهلله وسعادته بهذه الهبة التي نزلت عليه من السماء في صورة قرار بمصادرة كتبه, وقد كان الرجل في جميع أحاديثه مع الصحف من الدهاء والمكر بحيث تظاهر بالغضب والاستياء الشديدين من هذا القرار, وكأنما أضير من جرائه ضررًا بالغًا, بل وهدد برفع قضية علي مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر.
-أجاد أنت? تقول: إنه سعيد بما حدث?
-كلمه أنت.. أليس صديقك? «دار سينا» - يا أستاذي - بعد أن نفدت نسخ كتبه تستعين بثلاث مطابع في آن واحد لإعادة طبع الكتب, والمطابع تعمل ليل نهار كي توفرها في السوق في ظرف أسبوع واحد لمواجهة الطلب المتزايد عليها.
-هذا خبر سار حقًا.
-سار حقًا? اسمح لي أسألك: سار بالنسبة لمن?
-للعشماوي بطبيعة الحال.
-للعشماوي? وماذا عني وعنك يا أستاذ حسين? وماذا عن كتبي وكتبك? لماذا لم يأمر مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر بمصادرتها هي أيضًا رغم أنها تحوي من الأفكار ما هو أخطر ألف مرة مما ورد في كتب العشماوي? «دليل المسلم الحزين مثلا» , أو «الإسلام في عالم متغير» أو «قبل السقوط» أو «نكون أو لا نكون» هل هذه الكتب في رأيك أقل خطرًا من كتب المستشار العشماوي, أم هي في رأي الأزهر لا غبار عليها من الناحية الدينية ككتب الشيخ الغزالي والشيخ القرضاوي?
-الحقيقة أنني..
-لا يا أستاذي الفاضل.. ليس الأمر كما تظن, بل أكاد أجزم الآن بأن العشماوي لا بد قد دفع مبلغًا لجهة ما كي توصي مجمع البحوث الإسلامية بمصادرة كتبه.. العشماوي - بحكم خبرته وثقافته - يعلم أن بعض المؤلفين الأوربيين والأمريكان يلجأ اليوم إلي رشوة نقاد ليقوموا بمهاجمة كتبهم في الصحف والمجلات الأدبية علي نحو يثير شوق قراء الصحيفة أو المجلة إلي شراء الكتاب لقراءته.
-ألا يمكن أن يكون أعضاء مجمع البحوث قد أصدروا قرار المصادرة متطوعين مشكورين غير مأجورين من تلقاء أنفسهم, ودون سابق اتصال من جانب العشماوي?
-لا يا أستاذنا الكبير, وإلا فلماذا لم يصادروا أيضًا كتب فرج فودة وحسين أمين? هأ!! جتنا نيلة في حظنا الهباب!! الحقيقة أنني قد بدأت أغضب من العشماوي, كان من واجبه - ونحن الثلاثة نجاهد في سبيل قضية واحدة, ومن خندق واحد - أن يستشيرنا قبل إقدامه علي الاتصال بمجمع البحوث, أو أن يلفت - علي الأقل - نظر المجمع إلي كتبنا نحن أيضًا باعتبارها جديرة مثل كتبه بالمصادرة.
-لا يا دكتور فرج.. الأرجح - في رأيي - هو: إما أن أعضاء المجمع لم يقرءوا كتبنا نحن, وقرءوا كتب العشماوي فأمروا بمصادرتها, وإما أنهم قرءوا كتبنا, ووجدوها سليمة لا خطر منها.
-سليمة لا خطر منها? يا سيدي الجليل ما كتبه علي عبد الرازق في «الإسلام وأصول الحكم» أو طه حسين في «الشعر الجاهلي» لا يمكن أن يقارن خطره بخطر فقرة واحدة من كتبي أو كتبك, كيف إذن يمكن للمجمع أن يجرؤ, ويعتبرها سليمة لا خطر منها? أما عن احتمال أن يكون أعضاء المجمع غافلين عنا وجاهلين بكتبنا فما علينا إذن إلا أن ننبههم إليها.
بالكتابة إليهم, بتحريض أصدقاء لنا علي تقديم الشكاوي من أفكارنا, أو بأن نطلب نحن مقابلة شيخ الأزهر, أو رئيس المجمع نفسه لتوضيح الأمور, ووضعها في نصابها, وتنبيهًا إلي أن في كتبنا خطرًا علي المجتمع الإسلامي لا يمكن السكوت عليه. سليمة لا خطر منها يادي الفضيحة!! هذه إهانة.. كيف يمكن أن أُري وجهي للناس ومجمع البحوث الإسلامية يعتبر كتبي سليمة لا خطر منها? ما جدواها إذن? وما جدوي تعبي في كتابتها? جتنا نيلة في حظنا الهباب».
عزيزي القارئ هذا جزء حرفي مما كتبه حسين أحمد أمين في صحيفة «الجيل» - وهي تصدر في القاهرة - في عددها الصادر يوم الأحد 13 من ذي القعدة 1419هـ - 28 من فبراير 1999. نقلته بالنص دون تدخل مني, وأعتقد أنك معي في ضرورة «وقفة» أخري مع هذا الكلام الخطير 0