العلمانية إذن تحل لنفسها ما تحرمه على غيرها، وإذا نظرنا إلى الجانب الآخر من المسألة فلن نجد داعياً لوصف شؤون البشر بأنها نسبية ومتغيرة مهما كانت درجة التغير والتبدل التي تطرأ على أحوال الأفراد والمجتمعات والأمم فوراء هذه التغيرات تقف (كما تقول لنا حتى فلسفات العلمانية ذاتها) قوانين كبرى ومبادئ عامة، وملامح مشتركة، تجعل من وجود أفكار وتعاليم مطلقة للتفكير في هذه الشؤون، أمراً مقبولاً، بل وضرورياً، ولا ننسى أن «ماركس» وهو أحد كبار كهنة الفكر العلماني الغربي قد ابتكر نظاماً مطلقاً محكماً ادعى أنه يقف بثبات وصرامة لا تتخلف وراء كل التغيرات التي تطرأ على المجتمعات فالمطلق أياً كان له مجال في التفكير في الشؤون البشرية والمطلق كذلك له مجال أكبر في مجال توجيه هذه الشؤون كما تدل على ذلك التجربة العلمانية ذاتها في النظرية والممارسة، ذلك لأنه إذا قبلنا بفكرة أن كل الشؤون البشرية متغيرة ونسبية، فإن ذلك لا يعني منطقياً أن تكون المبادئ التي توجه وتحكم هذه الشؤون متغيرة ونسبية مثلها، لأن الحكم والتوجيه والتدبير في حد ذاته يعني وجود درجة كبيرة من الثبات والهيمنة، تتجاوز النسبية والتغير وتتعالى عليهما أو تقود التغيرات في مسار معين، وتبعدها عن مسار آخر.
والأكثر أهمية في ذلك هو بحث معنى «المطلق» وفق هذا التعريف المبتكر للعلمانية، فهل المقصود هنا هو «الإله» الذي تتحدث عنه الأديان التي يواجهها العلمانيون رغم ضرورة الإشارة إلى اختلاف مفاهيم الألوهية بين الأديان وبالأخص بين الإسلام وبين سائر الأديان بما فيها تلك التي تسمى حالياً بالسماوية أم أن «المطلق» هذا هو الأفكار والمذاهب الدينية لاسيما ما يتصل منها بالتشريع والشؤون الاجتماعية المتنوعة، وفي هذه الحالة ينبغي الإشارة إلى وجود شريعة في الإسلام تختلف جوهرياً وبالنوع عن أي أفكار أخرى بدائية ومحدودة قد تحتويها الأديان الأخرى في مجال التشريع الاجتماعي، فالشريعة الإسلامية هي نظام كامل له منهاجه الخاص، ولا يمكن أن تختزل هذه الشريعة بوصفها بتلك الكلمة العامة الغامضة ذات الإيحاءات السلبية في دنيا الفلسفة وهي عبارة «المطلق» ، فالشريعة الإسلامية بالذات تحتوي على مستويات من المبادئ والقوانين والأحكام، وفيها من المرونة ومن القابلية للاستيعاب وتغطية المتغيرات، والتعامل معها من خلال أنظمتها هي كالاجتهاد وغيره ما يحول دون نشوء مشكلة التقابل الثنائي بين المطلق والنسبي التي يثيرها ذلك التعريف العلماني، وهو يحمل في ذهنه الأوضاع المسيحية الغربية.
وإياً كان ذلك «المطلق» فلا يعطينا تعريف العلمانية هذا مسوغاً لإبعاده عن شؤون البشر، سواء أكان تفكيراً فيها أو توجيهاً لها، مادام أن العلمانية نفسها تقيم بعده مطلقاً أو مطلقات أخرى من صناعتها هي، أي أصنام وثنية مادية لتحل محل الآلهة الغيبية (حسب تصورهم) ، فلا جديد في المسألة.
تهافت العلمانية الجديدة:
تعريف العلمانية الجديد هنا ينشيء عند تحليله تناقضات ومشكلات عديدة، كما أنه ينبثق عن نفس التعريف القديم، لكنه ليس سوى قناع أو تنكر له، فهو يطلق اسم المطلق على: الدين أو الشريعة أو العقيدة أو «الله» ، وهو ذو إيحاءات سلبية كما قلنا ولاسيما في مذاهب الفلسفة الغربية الحديثة وفي مقابلة هذا المطلق توضح شؤون البشر المتغيرة النسبية (هكذا كل شؤون البشر متغيرة ونسبية عندهم بإطلاق!) ، ثم تأتي العلمانية لتسمى في هذا التعريف بالأفكار النسبية المتغيرة والتي تصلح بذلك دون «المطلق» لتسيير وتفسير حياة البشر وشؤونهم.
إنها مجرد تسميات مختلفة، فبدل القول بأن الدين يجب أن يرفض وينحى من حياة البشر لتحل محله العلمانية، أو بالأصح مذاهبها المختلفة يأتي القول بأن حياة البشر متغيرة نسبية بإطلاق (!) في التغير والنسبية، وأن هناك اتجاهين يتنازعان تفسير وتسيير هذه الحياة، أحدهما «مطلق» لا يصلح لها والآخر مثلها متغير نسبي، فهو الأصلح والأجدر بها، هكذا تترجم العلمانية الكلاسيكية إلى صياغة تحاول أن تتجمل بمصطلحات الفلسفة ذات الإيحاءات والظلال المعينة دون أن يتغير شيء في المضمون.
لكن هذا التعريف الجديد أو القناع الجديد يحتوي من التناقضات أشد ما يحتويه التعريف الأقدم، لاسيما فيما يتصل بالإسلام، فشريعة الإسلام ليست ذلك «المطلق» البعيد عن دنيا البشر وهمومهم وأوضاعهم بل هي وثيقة الصلة بها لا من حيث إنها تعكسها وتبررها وتواكبها بشكل ذيلي في تغيراتها كما يصور التفسير المادي المألوف، بل من حيث إنها تقودها وتوجهها وترقى بها وفق مشيئة وحكمة العزيز العليم الذي أوحى بها، وشؤون البشر في هذا التصور الإسلامي ليست متغيرة نسبية بإطلاق، بل تطرأ عليها التغيرات وفق سنن ثابتة، كما تتفاوت التغيرات بين مادي واجتماعي ونفسي وعقدي وأخلاقي... كل له مساره الخاص ودرجته الخاصة في مدى التغير، والتغير فيها يمكن توجيهه والتحكم فيه على الأقل من الناحية المهمة كناحية الإيمان وإرضاء الله بالعمل وفق منهجه، والثبات في محن البلاء والاختبار المتنوعة.