أما بعدُ: عبادَ اللهِ، إنَّ العلماءَ الربانيينَ همُ الذينَ جعلَهم اللهُ ورثةَ رسولِه ومقامَ أنبيائِه حينَ أمرَ عامةَ المسلمينَ بسؤالهِم عنْ مرادِه سبحانَه فيمَا أنْزَلهُ فقالَ تعالى: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، وهم الثقاتُ العدولُ الذين استشهدَ اللهُ بهم على أعظمِ مشهودٍ وهو توحيدُه جلَ وعلا حين قالَ تعالى: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم؛ ولذا فذهابُ العلماءِ ذهابُ العلمِ وإقبالُ الجهلِ وفسادُ الأرضِ، ففي الصحيحينِ قالَ رسولُ الله: (( إنَّ من أشراطِ الساعةِ أنْ يرفعَ العلمُ، ويُبث الجهلُ، وتشرب الخمرُ، ويظهر الزنا ) )، وفيهما قال النبيُّ: (( إنَّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُه منْ العبادِ، ولكنْ يقبضُ العلمَ بقبضِ العلماءِ، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذَ الناسُ رؤساءَ جهّالاً، فسُئِلوا فأفتوا بغيرِ علمٍ، فضلوا وأضلوا ) )رواه الشيخان. فما أحسنَ أثرَهم على الناسِ، وما أقبحَ أثرَ الناسِ عليهمْ.
أيها المسلمونَ، إن ما يقومُ به شيخُنا الصالحُ صالح بقية السلف في الردِ على دعاةِ التغريبِ في هذه البلادِ لهو من أفضلِ الجهادِ؛ لأنه دفاعٌ عن حوزةِ العقيدةِ والدينِ، فمطالب هؤلاءِ لنْ تقف عندِ حدٍّ حتى ننسلخَ عن استقامتِنا ونغوصَ فِي أوحالِ الفكر الغربِي العَفنِ الذي يحلمونَ أن يروه سائدًا بلادنَا. والجهادُ بالحجةِ والبيانِ هو جهادُ ورثةِ الأنبياءِ، وهو أعظمُ منفعةٍ من الجهادِ باليدِ واللسانِ لشدةِ مؤنتِهِ وكثرةِ العدوِ فيهِ معَ قلةِ النَّاصرِ، قال تعالى: فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا. يقولُ العلامةُ ابنُ القيمِ رحمه الله:"ولهذا كان الجهادُ نوعينِ: جهادُ باليدِ والسنانِ، وهذا المشاركُ فيه كثيرٌ. والثاني الجهادُ بالحجةِ والبيانِ، وهذا جهادُ الخاصةِ من أتباعِ الرسلِ، وهو جهادُ الأئمةِ، وهو أفضلُ الجهادينِ لعظمِ منفعتِه وشدةِ مؤنتِهِ وكثرةِ أعدائِه، قالَ تعالى في سورةِ الفرقانِ وهي مكيةٌ: وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا، فهذا جهادٌ لهم بالقرآنِ، وهو أكبرُ الجهادينِ، وهو جهادُ المنافقينَ أيضًا؛ فإنَّ المنافقينَ لم يكونوا يقاتلونَ المسلمينَ، بل كانوا معهم في الظاهرِ، وربما كانوا يقاتلونَ عدوَّهم معهم، ومع هذا فقدْ قالَ تعالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، ومعلومٌ أنَّ جهادَ المنافقينَ بالحجةِ والقرآنِ"اهـ.
فالزموا ـ عباد الله ـ الحقَ الذي أنتم عليه، وانصروا ربَّكم فإن اللهَ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ. وإن من نصرةِ اللهِ عز وجل نصر دينِه بلزومِ كتابِه وسنةِ نبيِه اللّذينِ يأمرانِ بالسمعِ والطاعةِ لولاةِ أمرِكم على منشطِكم ومكرهِكم وأثرةٍ عليكم، ولزوم جماعتِكم جماعةِ الحقِ أهلِ السنةِ والجماعةِ بالتمسكِ بغرزِ من بقي من علمائِكم، فأظهروا الحفاوةَ بهم وأعلنوها، أنزلوهم منازَلهم، ذُبُّوا عن أعراضَهم، احفظوا غيباتِهم، فإن من نالَ منهم فإنما ينالُ من حملةِ الدينِ ويثلمُ في بنيانِه، إنما يريدونَ أن يجرحوا شهودَنا ليبطلوا الكتابَ والسنةَ، والجرحُ بهم أولى.
إننا اليومَ ـ أيها المؤمنون ـ أحوج ما نكونُ إلى توحيدِ الصفوفِ خلفَهم، فالفرقةُ شرّ والجماعةُ رحمةٌ، فبذلكَ لا ندعُ علينَا سبيلاً للمفسدينَ الذين يظنونَ أن الفرصةَ قد تهيأتْ لهم لإسقاطِ هذا الدينِ ورموزِه ومؤسساتِهِ في هذا البلدِ، فصاروا يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ، فجاهدوهم يعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ، ولن يكونَ ذلك إلا باجتماعِ الكلمةِ على الحقِ، وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ.