فهرس الكتاب

الصفحة 6462 من 27364

ولا شك أن تلك الأجواء وضعت البلاد في حالة من القلق والارتباك السياسي بما عرضت خطط التنمية والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي لهزات عنيفة .

ثالثا/ على الصعيد الاجتماعي:

في أجواء القلاقل السياسية والأزمات الاقتصادية يكون من الطبعي أن تتعقد المشاكل الاجتماعية والحياتية للناس، ولكن ما جعل الناس تتفجر غضبا هو أن الحكومة التي لاحقها الفشل في حل مشاكلهم الحياتية حاصرتهم وحدت من حرياتهم الشخصية واعتدت في هذا الصدد على ما يمس عقيدتهم وهويتهم الإسلامية باتخاذ سلسلة من الإجراءات والقرارات الرامية لخلع الناس من دينها .

ونسوق في هذا الصدد بعض الوقائع الثابتة والمهمة على سبيل المثال:

الحرب على الحجاب:

آخر ما كان يمكن تصوره بشأن الحظر العلماني على الحجاب في تركيا، أن تصدر المؤسسة العلمانية من خلال الحكومة السابقة قراراً بمناسبة بدء العام الدراسي الجديد يمنع ارتداء الحجاب داخل مدارس الأئمة والخطباء ( مدارس دينية ) .

فقد فوجئت طالبات تلك المدارس بالسلطات تمنع دخولهن"بالحجاب"تنفيذاً لقرار صادر عن وزارة التعليم في 20 فبراير الماضي يمنع ارتداء الحجاب داخل هذه المدارس الدينية .

القرار أحدث صدمة لدى الطالبات اللاتي جئن لدراسة الإسلام داخل معاهد يفترض فيها احترام الشعائر الدينية أو على الأقل تتمتع فيها الطالبة بقسط من الحرية الدينية في الالتزام بالحجاب المأمور به شرعاً، لكن السلطات داست على ذلك وأصرت على اشتراط خلع الطالبات الحجاب عند دخول هذه المدارس، وهي المدارس التي قلّصت السلطات تعدادها إلي النصف تقريباً، وجعلت الدراسة فيها مختلطة بين الطلبة والطالبات .

ولم تراع السلطات مشاعر بعض الطالبات اللاتي رددن على هذه القرارات المقيّدة للحريات الشخصية بالاحتجاج داخل إحدى المدارس وتقييد أيديهن بسلاسل حديدية في أسوارها، كرسالة استغاثة لذوي الضمير من أنصار الحريات حتى يتحركوا لرفع الغبن، وإنما كان الرد اقتحام المدرسة، وتقطيع السلاسل بعد الاعتداء على الطالبات واعتقال ذويهم !

وقد جاءت هذه الإجراءات البوليسية ضد حجاب المرأة المسلمة في تركيا استكمالاً لقرارات سابقة تحظر ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية ودواوين العمل الرسمية .

والسؤال الذي ظل يلح خلال الحملة المتواصلة ضد حجاب المرأة التركية هو: هل السلطات التركية بهذه الإجراءات القمعية تكون قد نجحت في صبغ البلاد باللون العلماني المطلوب، وأراحت مصطفى كمال في قبره ؟!

الثابت أن تلك الإجراءات لم تهز قواعد الإيمان الراسخة في قلوب التركيات بل زادتهن تمسكاً ويقينا ً بحجابهن، فكثيرات تركن العمل والجامعات والمدارس وفضلن البقاء بحجابهن خارجها، والغالبية العظمى تنفذ مكرهة القرارات الغاشمة، وبمجرد الخروج من المدرسة أو الجامعة أو ديوان العمل إلى الشارع ترتدي حجابها، فلم يُمنع الحجاب بعد في الشارع !

ولعل الإحصاءات المتواترة التي تفيد بأن أكثر من 60% من النساء التركيات ملتزمات بالحجاب تؤكد هذه الحقيقة .

إن زوجة مصطفى كمال وأمه كانتا ملتزمتين بالحجاب وهو ما يؤكد أن الرجل كان مهزوماً في بيته، فلا غرو أن تُهزم مبادئه الظالمة على صعيد المجتمع .

المفارقة العجيبة أنه بينما كانت السلطات التركية تطبق إجراءاتها الأخيرة على طالبات المدارس الدينية مُغازلةً الاتحاد الأوروبي علّه يوافق على طلب تركيا الانضمام إليه، كان هناك قرار من الاتحاد بتجاهل الطلب التركي .

2-السعي لتفكيك مؤسسة الأسرة:

في ظل الحكومة السابقة نظر البرلمان التركي في قانون جديد للأحوال المدنية، من المقرر أن يحدث تنفيذه انقلابا داخل الأسرة لأنه يدخل تغييرات جذرية على نمط حياتها .

فهو يربك العلاقة داخل الأسرة ، إذ ينزع عن الزوج أو الأب مكانة"رب العائلة"ويسقط عن الزوجة الالتزام بالحياة في بيت الزوجية إذا ارتأت أنه لا يناسبها أو لا يفي بمتطلباتها، وترك لها حرية الخروج للعمل دون تدخل من الزوج ..إلخ .""

وقد حوّل القانون الجديد بهذا الانقلاب الأسرة التركية إلى"شركة مساهمة"!- هكذا يشير القانون - إذ يعتبر الزواج شراكة تجارية بين رجل وامرأة يتعين على كل منهما عند"العقد"التوقيع على اتفاقية ثنائية يسجل فيها كل طرف ممتلكاته التي أسهم بها في بيت الزوجيّة ويرفق بها الفواتير ووثائق إثبات الملكية الأخرى ثم يتم وضعها تحت نظر وزارة العدل لحفظها !!

وقد دفع ذلك البعض إلى السخرية والتندر وهو يطالب الحكومة بتحديد نوع الشركة .."شركة مساهمة، أم شركة محدودة"وتحديد قيمة أسهم هذه الشركة وإمكانية بيعها للأجانب !!

وقد جاء هذا القانون ليفسّخ الأسرة ويحولها من وحدة متماسكة - تسري في كيانها الروح الأسرية، ويغمرها حنان الأمومة وعطف الأبوة - إلى أجزاء متناثرة تتواءم حينًا وتتنافر أحيانًا أخرى ، كل حسب مصلحته المادية ومزاجه الشخصي ونظرته للحياة ، وذلك يؤدي حتمًا إلى هدم"الأسرة"أي انفراط عقد المجتمع .

وقد أضافت الحكومة بهذا القانون بنداً جديدًا إلى سجل إنجازاتها السلبيّة حيال المجتمع التركي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت