فهرس الكتاب

الصفحة 6444 من 27364

إن الكائنات الإنسانية تتوق إلى حكم الصلاح والاستقامة، وإلى عالم الإنصاف، أو عالمٍ يعكس مراد الإله، وفي كثير من الحالات، وعلى الأقل بمقدار مشابه في القوة، لاشتياقها إلى النجاح أو المال. وإن التفكير في هذا التوق؛ يعني التحرك بعيداً عن التحليل العلمي، والدخول إلى ممالك الحكم الأخلاقي. إن السؤال الحاسم لا يكون عن: ما هو نوع الدوافع الذي يستجيب لها هذا التوق؟ ولكن: هل الأفراد يتبعون رؤيةً أخلاقيةً للحكم الصالح؟ وهل هم يمارسون ذلك من خلال طرقٍ مستقيمةٍ وفاضلة؟ أم أنهم مثل صدام حسين وأسامة بن لادن أشرار في رؤيتهم وطرائقهم؟

الخطوة الخامسة: يجب أن يعترف العلماني في طور التشافي، بأنه كان متراخياً جداً مع الدين؛ لأنه افترض أن الدين يلعب دوراً متقلصاً في الشئون العامة. لقد عامل الدين بغطرسة، ثم قرّر متنازلاً عَدمَ محاكمة العقائد الأخرى، فهي كلها طرق مشروعة لمقاربة الإله، كما أخبر نفسَه، وقرر أن يذوبَ أخيراً في واحدة منها.

ثم بعد كل شيء، ما الداعي لإثارة المشكلة بمحاكمة عقائد الآخرين؟ إنه ليس تصرفاً مؤدباً. إن الخيار الأفضل عندما تواجَه ببعض التصرفات القبيحة، التي يتم ممارستُها باسم الدين، هو أن تتفادى عيون هؤلاء.

هل الوهابية هي شِقٌّ قاسٍ يَضُرّ بالإسلام؟ لا تتحدث عن هذا.

ولكن لا يمكن لهذه المقاربة أن تكون مقبولة، في عالم يلعب الدينُ فيه، الدورَ الأعظم بصورة مطلقة. على الشخص أن يحاول الفصل بين الصواب والخطأ. ولكن المشكلة أننا في المرة التي نبدأ فيها بفعل ذلك؛ فإنه من الصعب أن نقول: أين سينتهي بنا المطاف؟ أَمْعِن النظرَ في (بيم فورتشوين) السياسي الألماني ذي النزعة اليسارية، والمدافع عن حقوق الشاذين، الذي ينتقد المهاجرين المسلمين لمواقفهم تجاه النساء والشاذين؛ عندما تم اغتياله في السنة الماضية، وصفته الصحافة بناءً على هذه النزعات النقدية، بأنه يميني من نوعيةِ جين ماري لوبان، وهو وصفٌ بعيد عن الحقيقة. إن تصنيفات اليسار واليمين في عالم اليوم ما بعد العلماني ستصبح غير ملائمة، ومنتهية الاستعمال.

الخطوة السادسة والأخيرة للعلمانيين في طور التعافي: هي أن يفهموا بأن هذا البلد لم يكن علمانياً بالفعل في أي يوم من الأيام.

إننا نحن الأمريكان نتوق إلى معيار الصلاح والاستقامة بتوقُّدٍ كأي شخص آخر. إننا مغروسون مع الفكرة التي عَبّرتْ عنها كلمات أبراهام لينكولن: نحن نمثل"الأمل الأفضل والأخير للمعمورة". إن العديد من الأمريكيين أحسوا وباستمرار، بأن لدينا مهمة غير عادية، ومتجاوزة للحدود، مع أنها، ولحسن الحظ، ليست من النوع اللاهوتي. إننا نُحس غريزياً، وبطرق لا يحس بها الناس في أماكن أخرى، بأن التاريخ لم يتحقق بعد، طالما بقي هناك أمم أو شعوب، لا يكون الناس فيها أحراراً. وهذا هو الإحساس الغريزي الذي قاد بوش للاستجابة بصورة طموحة جداً، لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهذا ما قاد الأغلبية من الأمريكان لتأييده.

إن الأمريكيين نشطون كغيرهم في صراع عقائد النهايات. يرى صدام حسين التاريخ ينتهي مع أمة عربية موحدة، مسيطرة عالمياً، مع تحقيقه لمكانة مبجلة، كصانع لنظام عالمي كهذا. ويرى أسامة بن لادن التاريخ ينتهي بفرضٍ عالمي لقانون الشريعة. والكثير من الأوروبيين يرون التاريخ ينتهي بإقامة مؤسسات عالمية علمانية، حيث ستهدأ الانفعالات القومية والدينية، وتُعطِي دولُ القوميات معبراً للقانون الأممي، وللتعاون المتعدد. والكثير من الأمريكان يرونَ التاريخَ ينتهي بانتصار الحرية، واحترام الدستور، مع تدين غير متخلى عنه، أو مقموع، وإنما مثرٍ للحياة الديموقراطية.

إنه لا مفر من كوننا عالقين في عالم من الرؤى المتصارعة، في رؤيتها للقَدَر التاريخي. ولكن فهمَ هذا العالم يَعني: جلدَ التحيزات العلمانية، الصادرة عن عقولنا كل يوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت