والمبدأ الرابع: هو تأييد فرنسا لتطلعات العالم العربي إلى الانفتاح والسلام، وأن فرنسا إلى جانب كل من يحارب التطرف والتعصب وقوى الكراهية.
و تستمد هذه السياسة الفرنسية قوتها من عاملين أساسيين: أولاً: المعرفة القديمة المتبادلة بين الفرنسيين و العرب، والتي عززت أواصر الصداقة بينهما على امتداد مئات السنين، والتي تتسم اليوم بحيوية نابضة أكثر من أي وقت مضى، ثم إنه في فرنسا تتواجد في أكبر جالية مسلمة في أوروبا، تقدر بأربعة ملايين نسمة .
شيراك يكمل ما بدأه ميتران
نستطيع أن نقول: إنه منذ وصول شيراك إلى الحكم وهو يحاول رسم ملامح دور فرنسي جديد في العالم بشكل عام، والمنطقة العربية بشكل خاص، وساعده على ذلك الإرث التاريخي الناجح لسلفه فرانسوا ميتران الذي كان ينتمي إلى المعسكر الاشتراكي، إلا أنه يعتبر أكثر ديجولية من اليمينيين أنفسهم، فالرئيس ميتران هو صاحب فكرة تمحور أوروبي كبير يضع في الاعتبار المصلحة الأوروبية ويواجه أحادية الهيمنة الأمريكية التي تنبأ بها ميتران قبل تفكك الاتحاد السوفيتي، وكانت النتيجة هي الشكل الحالي للاتحاد الأوروبي.
هذا الإرث ساعد شيراك على بعث الدور الفرنسي من جديد، خاصة أنه اكتشف أن النجاح الذي حققه ميتران ظل مقصورًا على شرق القارة الأوروبية، وبعض دول أفريقية كانت مستعمرات فرنسية وما زالت مرتبطة اقتصاديًا وتاريخيًا بفرنسا، فحاول شيراك البحث عن دور فرنسي في"الشرق الأوسط"، إلا أنه اصطدم بحائط أمريكي منعه من تفعيل خططه الطموحة. فهذه المنطقة كانت وستظل مناطق نفوذ أمريكية غير مسموح بالاقتراب منها، إلا أن الإدارة الأمريكية -وعندما استشعرت خطرًا حقيقيًا من باريس- حاولت أن توجه عدة ضربات دبلوماسية تحت حزام الإليزيه، وبدأت بالجزائر، فعملت على تقليص النفوذ الفرنسي هناك، عن طريق الاستحواذ على عقود البحث والتنقيب عن النفط والغاز ومنحها للشركات الأمريكية، وهو الأمر الذي شكل خسارة فادحة للشركات الفرنسية التي كانت تحتكر هذه الصناعة لعقود طويلة ماضية.
أكثر من ذلك، فقد نجحت واشنطن في صب الزيت على رماد العلاقات الفرنسية الجزائرية المتوترة في الأصل، وظهر الرئيس بوتفليقة أكثر من مرة في عدة لقاءات متلفزة ليؤكد حتمية الارتكان إلى الحائط الأمريكي، بعدها لاحت في الأفق بوادر تنسيق بين الجزائر وواشنطن فيما يخص وقف عنف الجماعات الإسلامية المسلحة التي رفعت السلاح في وجه الدولة، وهو الدور الذي راوغت باريس الجزائر أكثر من مرة بصدده؛ بل وخرجت أقلام جزائرية تتهم فرنسا بلعب دور في أحداث العنف التي تشهدها الجزائر.
فرنسا والقضية الفلسطينية
وبقدر ما يصرّ الموقف الفرنسي الرسمي على"حق إسرائيل في البقاء ضمن حدود آمنة"بالتنديد بالعمليات الاستشهادية، فإنه يؤكد على حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، ويشدد دائما على عدم المساس بالسلطة الفلسطينية، وعدم استهداف رمزها عرفات، ولعل هذا التركيز الخاص على رمزية عرفات يندرج في نطاق البحث عن نوع من الشرعية كمدخل لإثبات الحضور الفرنسي عن طريق ورقة السلطة الفلسطينية، للضغط على الطرفين الإسرائيلي والأمريكي، ولحماية المصالح الاستراتيجية الفرنسية في المنطقة.
ومعلوم أن فرنسا حريصة على دعم حضورها على كل المستويات، وإيجاد موقع لها في هذه المنطقة شديدة الأهمية وبالغة التعقيد، والتي تُعدّ مهداً للأديان والحضارات، ومخزونا للطاقة، وتريد ربط حضورها التاريخي في لبنان وسوريا، بحضور فاعل في الوقت الحاضر وفي المستقبل، يمتد من البعد الاستراتيجي الذي يكرّس القوة السياسية المعنوية لبلد عضو دائم في مجلس الأمن، إلى البعد الاقتصادي الذي يضمن الاستثمارات الفرنسية، خاصة في لبنان وفي بلدان الخليج، وبيع الأسلحة والتكنولوجيا الفرنسية، ومنافسة المنتجات الأوروبية والآسيوية، والمساهمة في إعادة تعمير العراق وإيران بعد الحرب التي دمرت البنية الاقتصادية والعسكرية لهذين البلدين، مروراً بالبعد الثقافي باعتباره مدخلاً أساسياً في إثبات مثل هذا الحضور عن طريق الوصول إلى العقول وإلى عالم الأفكار والتصورات، وكسب عاطفة الناس، واستثمار الفكرة الرائجة التي تصوّر فرنسا بأنها بلد حقوق الإنسان التي أفرزتها الثورة الفرنسية، ولأهلها ذوق رفيع وحس مرهف وسلوك حضاري متمدن، على عكس الأسلوب الأمريكي المرتكز على المظهر الخارجي للقوة العسكرية الضاربة، وعلى غرس ثقافة الدولار و (كوكاكولا) و (ماكدونالدز) ، و (كاوبوي) .
وإزاء حجم المصالح، تسعى فرنسا في عهد شيراك إلى تجاوز التحديات القائمة وتزعُّم الدور الأوروبي في"الشرق الأوسط"بخلفية اختراق الأحادية القطبية الأمريكية المهيمنة على صناعة القرار الدولي.
فرنسا والمغرب العربي