فهرس الكتاب

الصفحة 5875 من 27364

التحيز العلماني يبدو بنفس الوضوح في التغطيات الإخبارية نفسها، ونضرب مثالا لذلك بتناول العربية للانتخابات الفلسطينية التي جرت مؤخرا في الشهر الأول من عام 2006، إذ لم تخفِ القناة موقفها من نجاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) منذ اليوم الأول، إذ فسّر مراسلها في غزة هذا النجاح على أنه مجرد ردة فعل للشعب الفلسطيني إزاء الفساد المالي لحركة فتح، في إشارة ضمنية إلى فراغ المضمون السياسي لأي حركة إسلامية باستثناء أطروحات العنف، كما لاحقت مراسلة أخرى بعض النكات التي تداولها الفلسطينيون في غزة لتبرهن على أن الشعب الفلسطيني الذي انتخب حماس بأغلبية ساحقة لم يأخذ الأمر على محمل الجد، ثم أتبع موقع العربية هذه التغطيات بمقال حول"تخوف"الفلسطينيات من فرض حماس للحجاب الإسلامي عليهن، وتعالت أصوات أخرى تتنبأ بهدم نصب الجندي المجهول في غزة على غرار هدم تماثيل بوذا من قبل طالبان في مقارنة واضحة الأهداف.

أخيرا، بدأت العربية بإنتاج بعض البرامج الخاصة بها على غرار منافستها الجزيرة، حيث تكاد معظم برامجها لا تخرج عن إطار المنافسة والتقليد مع تغيير طفيف في الاسم، ولعل التطور الأهم هو في تخصيص فيلم وثائقي مستورد أسبوعيا للمناقشة في برنامج قضايا وآراء الذي تقدمه ميسون عزام، حيث تسمح العربية في هذه الفرصة لبعض المفكرين والمتخصصين بمناقشة الأفلام المختارة والتي تتعرض غالبا لقضايا عربية أو إسلامية من وجهة نظر غربية، وهو أقل ما يتوجب فعله إزاء إفساح المجال للغرب في التعرض للقضايا المحلية، علما بأن معظم الضيوف الذين يسمح لها بمناقشة هذه الأفلام يتم انتقاؤهم بشكل مدروس، بحيث تبقى الصبغة العلمانية التي يفترض لها الحياد هي المسيطرة وصاحبة الكلمة النهائية، كما أن المناقشة لا تمتد إلى بعض الأفلام الوثائقية الأخرى التي ما زالت تعرض خارج إطار هذا البرنامج.

ما زالت قناة mbc العريقة تتربع على رأس القنوات المنوعة العربية، وتحتكر بذلك جزءا مهما من حصة المعلنين العرب مما يساعدها على تغطية كافة نفقاتها دون خسائر حسب تصريح أحد مدرائها، وتتنوع مواد القناة بين السياسة والترفيه والرياضة والدين، ولكنها تمكنت أخيرا من تخصيص ثلاث قنوات أخرى منشقة عنها ببعض المواد، حتى غلب الطابع الترفيهي عليها.

لا تختلف القناة عن معظم القنوات العربية الأخرى في توجهها العلماني، فباستثناء الساعات القليلة المخصصة للبرامج الدينية في الأسبوع، تطغى وجهة النظر التغريبية على القناة بكل وضوح، كالبرامج الفنية التي تروج للأغاني والأفلام العربية والغربية، والبرامج الأجنبية المدبلجة ذات الطابع الاستهلاكي البحت، كتلك المخصصة لعرض تفاصيل حياة الأثرياء في الغرب، أو التي تخصص في كل حلقة عرضا شاملا لنجوم الإغراء في مجالات السياسة والرياضة والفن.. إلخ.

إبان فترة التوتر التي نشأت بين العالم الإسلامي والغرب إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سعت mbc لمعالجة الكثير من القضايا الحساسة من وجهة نظرها الخاصة، ففي الفيلم الموسوم بـ"أحداث سبتمبر بعيون سعودية"والمخصص للبث في الإعلام الغربي، بذل المنتجون جهدا واضحا لقولبة الرأي العام السعودي، وجاء على لسان أحد الإعلاميين السعوديين قوله:"إن السعوديين قد بكوا على ضحايا هذه الأحداث أكثر من الأمريكان أنفسهم"، وبات واضحا لكل مشاهد أن جميع المواطنين يؤيدون وجهة النظر الأمريكية في تفسير تلك الهجمات، وهو ما يشكك فيه بيان المثقفين السعوديين الذي بات معروفا لدى الجميع.

في محاولة أخرى، قامت القناة في مطلع عام 2004 ببث برنامج (chat the planet) والذي بدا أنه يسعى لإقامة حوار بين الشباب العربي والغربي في محاولة لمد جسور التفاهم بين المجتمعين، وقد لفتت نظري إحدى الحلقات التي جمعت بين مجموعتين من الشباب إحداهما في عمّان والأخرى في نيويورك حيث يجري الحوار عبر الأقمار الصناعية التي تنقل صورة حية للمجموعتين في الوقت نفسه، ويمكننا تسجيل الملاحظات السريعة التالية:

1-كانت لغة الحوار هي الإنجليزية، مما يعني إلمام أحد الطرفين بلغة الآخر- وهو الطرف العربي بالطبع- في الوقت الذي يتحدث فيه الآخر بلغته المحكية، وهنا نقطتان: أولاهما أن المجموعة الأولى (العربية) تم انتقاؤها من بين الشباب الذي يتقن التحدث بالإنجليزية بطلاقة وهم لا يشكلون بالطبع إلا فئة معينة من الشباب العربي ولا يمكن أن تمثل مجتمعها على عكس المجموعة الثانية، أما النقطة الثانية فهي تبعية المجموعة الأولى ثقافيا للثانية بشكل واضح، مما ينفي أي حياد حتى في من بالنظر إلى الانطباع النفسي الذي يخلفه هذا الحوار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت