فهرس الكتاب

الصفحة 5090 من 27364

ليست اللائكية مطروحة للنقاش هذه الكلمات التي رددها الرئيس الفرنسي مكررا، تنبئ بالمكانة التي حفرتها اللائكية في ثقافة هذا البلد وعقلية أفراده وتركت بصماتها في عقلها الجمعي والفردي، والتي بنت وجدان مجتمعه وأسست كيانه وحددت سلوكه، فاللائكية الفرنسية هي لغة وتاريخ وثقافة ومصير. إن القول بهذه المبدئية الصارمة والرافضة للغة الحوار والتجاذب، يحمل في حد ذاته تناقضا جوهريا مع ما حملته اللائكية في دعوتها من أنها تشكل إطارا سليما للقاء بين الأضداد وعدم الإقصاء والاستثناء، رغم أنها تأسست على أنقاض معركة شاحنة بين الجمهورية والكنيسة، بل إن علاقتها التي بنتها مع الأديان كان فيه من المرونة ولو كانت محتشمة ما جعلها تحدد أطر التفاعل رغم تضييق منابر العمل.

فالفصل بين الدين والدولة، وطرد الكنيسة من الفضاء العام، وخاصة القطاع التعليمي العمومي، تولد عنه نشأة قطاع تعليمي خاص ضخم، تسهر عليه الكنيسة وتموله الدولة بضرائب المواطنين. المفارقة الجديدة التي تطرحها هذه الكلمات الحازمة للرئيس الفرنسي وهو إذا كانت اللائكية غير قابلة للنقاش، فهل حرية المعتقد وحرية الملبس قابلتان للجدال؟ وهذا ما جعل عديد الأطراف الخارجية تعبر عن قلقها من هذا الموقف المناهض لحرية المعتقد، فالبيت الأبيض اعتبر عن طريق مسئول الحريات الدينية في الخارجية أن الحجاب وما سواه من المظاهر الدينية يجب أن يكون متاحا، كما عبر التقرير السنوي للوزارة حول الحريات الدينية عن قلقه وانشغاله بالعقبات التي تضعها فرنسا لحرية المعتقد. كما أشارت الوزيرة البريطانية القائمة على الشؤون العرقية، أن المرأة المسلمة في بريطانيا تستطيع ارتداء الحجاب بكل راحة، سواء في الأماكن العامة أو في المدارس.

فالسؤال المطروح إذا كانت أطراف تجمعها بفرنسا وحدة الثقافة وتقارب العقلية وتناسق المواقف والتصورات الفلسفية وأحادية النسق الحضاري، لم تفهم الموقف الفرنسي، فكيف سيفهمه أبناء البلد وبناته؟ كيف ستفهم الفتاة الفرنسية التي تربت في بلد حقوق الإنسان، والتي سمعت آباءها قبل أن تري بأم عينيها مدي انعدام الحرية والاعتداء على حقوق الإنسان في وطن الأجداد، كيف لها وهي التي تغنت وشكرت الأقدار التي جعلتها تري الدنيا بالألوان، في هذه البلاد المفعمة بأشعة الحرية ونسيمها وأشواقها، كيف لها أن تقبل مهما كانت المبررات والدوافع، فلسفية كانت أو حضارية أو سياسية ضيقة، أن يُعتدي على حق ظنته مكسبا لا رجعة فيه، ولا يقبل المزايدة، وليس مطروحا للنقاش؟ كيف لهذا الأقلية الجديدة أن تعقل أن هذه الحرية في المعتقد والملبس التي رعتها اللائكية يوما في مواجهة الكنيسة، تأتي اليوم هذه اللائكية نفسها لتنزعه عن فريق تربي في أحضانها، وشرب من ألبانها على مقاعد الدراسة وأمام شاشات التلفاز؟

المفارقة السادسة: الإسلام كتهمة

لقد أنتجت الحملة حول الحجاب، والقانون الذي سوف تثمره حالة ارتياب وتوجس داخل المجتمع الفرنسي تعبر عنها كلمة الإسلاموفوبيا وهي الخوف من الإسلام فكرا وممارسة، حتى أصبح الحجاب عنوانا لهذه الأقلية ولثقافتها ورمزا لدينها، وتحولت المعاداة والريبة من قطعة القماش إلى النسيج الاجتماعي نفسه، ومن الحجاب إلى الديانة الإسلامية. وأصبحت مناطق الحظر تتوسع وأخذ إطار الحرية لهذه الأقلية يتقلص شيئا فشيئا. فمن المدرسة أصبح الحديث عن المستشفيات، وطالب البعض بأن تحترم اللائكية من طرف الطبيب والمريض، حيث تبين أن البعض من الطاقم الطبي النسائي يلبسن الحجاب، فقبل أن تكون طبيبا أو مريضا عليك أن تكون لائكيا! ثم تم غلق مسبح كان يسمح فيه لسويعات معدودة في الأسبوع، للنساء المسلمات بالترفيه عن أنفسهن بعيدا عن أعين الغرباء، حتى لا يتناقض مع مياه اللائكية التي ترفض الفصل بين المواطنين! ثم قام رئيس بلدية إحدى الضواحي الباريسية (Nogent su r ma r ne) برفض الإشراف وقبول الزواج المدني لعروس لأنها رفضت نزع الخمار، بدعوى عدم احترام القيم العلمانية للدولة! لأن مقر البلدية رمز ومكان مبجل للجمهورية! ثم تلاه رفض أحد مديري المدارس دخول أولياء متحجبات إلى المدرسة لحضور حوار داخلي دعت إليه الدولة لمناقشة دور المدرسة، بدعوى لائكية المكان!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت