فهرس الكتاب

الصفحة 4989 من 27364

وتوالت انتقادات العلماء للكنيسة ترسم خط العداء الذي ظهر في أجلى صوره على يد"فولتير"الذي انتقد عقيدة التثليث وتجسيم الإله وأشار إلى أن"بولس"، طمس المسيحية وحرفها، ونادى بأن الطاعة إنما هي طاعة البشر باسم قوانين الدولة، وأن على رجال الدين أن يخضعوا مع جميع الناس لنظم الدولة، فلعنته الكنيسة وحرمت قراءة كتبه.

ونتج عن المذهب العقلي الجديد بالإضافة إلى نظرية نيوتن مذهبان جديدان على العالم الإسلامي ينمان عن التخبط والضياع:

الأول: مذهب المؤلهة أو المؤمنين بإله مع إنكار الوحي.

الثاني: المذهب الإلحادي المادي.

الثورة الفرنسية:

بين المؤلف في هذا الفصل أن النظام الاجتماعي الذي هيمن على الحياة الأوربية طيلة القرون الوسطى هو نظام الإقطاع والذي كان أبشع وأظلم النظم الاجتماعية في التاريخ، وأشار إلى أن الشرق المسلم آنذاك كان ينعم بالحياة في ظل أفضل وأعدل مجتمع عرفه التاريخ، بينما كان الغرب يرزح تحت نير هذا النظام البغيض.

ويشير المؤرخون إلى أن أولى محاولات الإنسان الأوروبي الانفلات من المظالم الإقطاعية بدأت بالاحتكاك المباشر بالمسلمين عن طريق الفتوحات الإسلامية في أوروبا، وبلغ ذروته إبان الحروب الصليبية، وكان رواد هذا التمرد والثورة على الإقطاع أرقاء فرنسا لقربها من الأندلس، وبعدها النسبي عن مركز البابوية في روما، فكان أهلها أقرب إلى روح التحرر والانطلاق.

فقامت في فرنسا أول ثورة فلاحية"الجاكرية"في القرن الرابع عشر للميلاد، وهي وإن أجهضت إلا أنها مهدت لحركات مماثلة بالثورة على الكنيسة التي كانت في نظرهم مجرد مالك إقطاعي جشع.

بلغ الفساد السياسي والتدهور الاقتصادي أقصاه في السنوات السابقة للثورة الكبيرة في فرنسا، ونفد صبر الشعب الذي أنهكته المجاعة، بينما كانت هناك طبقتان منغمستان في التنعم والترف هما: طبقة رجال الدين، وطبقة الأشراف بالإضافة إلى الأسرة المالكة.

فكان المجتمع فريقين؛ فريق الشعب ممثلاً في الفلاحين والمهنيين وصغار القساوسة، وفريق يمثله رجال الدين والنبلاء. وانتصر الشعب، وحصدت المقصلة معظم الرؤوس المترفة الطاغية، وتمخضت الثورة عن نتائج بالغة الأهمية فقد ولدت لأول مرة في تاريخ أوربا دولة تقوم فلسفتها على الحكم باسم الشعب"وليس باسم الله"، وعلى حرية التدين، بدلاً من الكثلكة، وعلى الحرية الشخصية بدلاً من التقيد بالأخلاق الدينية، وعلى دستور وضعي بدلاً من قرارات الكنيسة.

وتبدلت الأمور بشكل مثير، فقد حلت الثورة الجمعيات الدينية، وسرحت الرهبان والراهبات، وصادرت أموال الكنيسة، وألغت كل امتيازاتها، وحوربت العقائد الدينية هذه المرة علناً وبشدة، وأصبح رجل الدين موظفاً مدنياً لدى الحكومة.

كان لهذه النتائج أسباب تضافرت على تحقيقها، منها:

أولاً: الفكر اللاديني (الذي طبع عصر التنوير) :

ازدهرت مدارس كان بعضها ذا طابع علمي وبعضها ذا طابع اجتماعي وبعضها فلسفي هدام، وبدأت الفكرة الفلسفية القديمة - بإقامة مجتمع يرفض القيم والأخلاق الدينية - تتبلور.

ثانياً: وقوف الكنيسة ضد مطالب الجماهير:

استفزت الكنيسة الجماهير إلى الحد الذي شجعهم على التخلي عن عقيدتهم، واعتناق أفكار الكتاب العلمانيين، وأصبح لزاماً على الكنيسة أن تسدد ديون قرون طويلة من الاستغلال البشع والطغيان الجائر.

ثالثاً: القوى الشيطانية الخفية:

يقول المؤلف: كان من الممكن أن تظل الجماهير الثائرة على الكنيسة وفية لدينها لولا أنه وجد عامل آخر قلب أهداف الثورة وحول خط سيرها، فعندما اندفعت الجماهير الهائجة لهدم"الباستيل"؛ رمز العبودية والاستبداد، لم تكن ترفع سوى شعار واحد هو الخبز، والخبز وحده.

ولُقنت الجماهير الثائرة شعارات أخرى لم تكن تعي أبعادها بشكل كامل، من هذه الشعارات:"الحرية والإخاء والمساواة"، وكان ثم شعار آخر هو: لتسقط الرجعية، ولم يكن يعني عند الذين صنعوه سوى الدين.

كان اليهود يرقبون الثورة وهي تندلع، مصممين على استغلالها في الإجهاز على الكنيسة والثأر منها ومن دينها وأخلاقها، وكانت أموال اليهود المرابين تمد الغوغاء الثائرين، وبهذا استطاع اليهود أن يتغلغلوا في منظمات الثورة وأن ينفثوا في الجماهير شعاراتهم التي رددتها الجماهير ببلاهة لا سيما شعار"الحرية والإخاء والمساواة"، والذي يعني عند اليهود تحطيم القيود الأخلاقية والتقاليد الموروثة التي تحول بينهم وبين إفساد الأمم وتدميرها، ويقصدون بالإخاء والمساواة كسر الحواجز النفسية والاجتماعية التي تحول بينهم وبين الانسلال إلى أجهزة الدولة وتنظيماتها وإذابة الفوارق الدينية بينهم وبين غيرهم كي تزول عنهم وصمة الاحتقار والمهانة.

وهكذا نجح اليهود في تحويل الثورة من ثورة على رجال الدين إلى ثورة على الدين نفسه.

كانت الثورة الفرنسية فاتحة عصر جديد في التاريخ الأوربي، وأمدت هذه الثورة الثورات الأخرى في تحقيق انهيار نظام الإقطاع وانهيار نفوذ الكنيسة، وكان من آثار ذلك أن حدث فراغ كبير في المعتقدات والقيم، فاستغله اليهود في تحطيم إنسانية الإنسان وتدمير قيمه …

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت