وكان الأساس الذي بنيت عليه هذه الأكذوبة هو فكرة القداسة التي ادعاها رجال الدين، والتي بني عليها فكرة الاستشفاع بهم لدى الله لمغفرة الخطايا، وظل الجهلة والسذج يتوسلون إلى القساوسة راجين الشفاعة، والتقرب إلى الله زلفى؛ فنتج عن ذلك مبدأ التوسط بين الله والخلق، حتى أصبحت وظيفة رجل الدين المسيحي القيام بهذه الوساطة، فعن طريقه تؤدى الصلاة، ويتناول العشاء الرباني، وهو الذي يقوم بالتعميد، وطقوس الزواج، والموت، ويتقبل الاعترافات بالمذنبين.
ثم يبين المؤلف أن هذه الصكوك إنما بدأت حين كانت الكنيسة تواجه ظروفاً عصيبة إبان الحروب الصليبية التي بلغ معها يأس النصارى من تحقيق النصر على المسلمين مبلغاً عظيماً، وأصاب الشعوب الأوروبية إحباط شديد؛ فاخترعت الكنيسة فكرة هذه الصكوك كتجسيد لأماني المشتركين في تلك المعارك بالمغفرة، ولشحذ هممهم للاندفاع في المشاركة في تلك الحروب، كما يقول ول ديورانت في قصة الحضارة.
ويخلص المؤلف من هذا العرض لهذه البدعة بقوله: وعليه فلم يكن يحظى بالحصول على صك الغفران إلا رجل ذو مال يقدر على شرائه حسب التسعيرة التي تحددها الكنيسة، أو رجل يحمل سيفه ليقاتل تحت راية الكنيسة، وغير هذين رجل ثالث فقير لا مال له، أو عاجز عن القتال، أو رجل غير مستعد للموت في سبيل الكنيسة، لكنه يظل أسير صراع نفسي مرير، وشعور بالحرمان قاتل.
وهكذا فالكل مضحون، والكل خاسرون، والكنيسة هي الرابح الوحيد، حيث أثرت ثراء فاحشاً من عملية بيع الصكوك، وإن كانت عند الله أذل مقاماً، وأخسر صفقة.
ومن الوجهة السياسية قويت الكنيسة، وتدعمت سلطتها، فكان الثراء والنفوذ بعض ثمار تلك البدعة التي دفعت الكنيسة إلى الطغيان والغطرسة الباغية، ولم ينتبه رجال الكنيسة الذين أعماهم الغرور بسبب ما وصلوا إليه من الغنى والسيطرة عن خطر هذا الطغيان عليهم، فكانت مهزلة صكوك الغفران مسماراً في نعش الكنيسة، وبداية لنهايتها، حيث هبط سوق الصكوك، وأصابه الكساد، وتجول القساوسة ببضاعتهم يبيعونها بأبخس الأثمان، فازداد إعراض الناس عنها، حيث تولد لديهم شعور بأن شراءها إن هو إلا إضاعة للمال فيما لا فائدة فيه، أو أنه غير مضمون العاقبة، وتبع ذلك الشعور ظهور الفضائح التي كشفت جانباً من سيرة رجال الكنيسة وفجورهم، فكان ذلك إيذاناً بالشك الكبير في قداسة هؤلاء القساوسة وصلاحهم، وتوحدت المشاعر من مختلف قطاعات الشعب بالعداوة والازدراء تجاه رجال الكنيسة، ورأى الأوربيون - حكاماً ومحكومين - الحياة الكريمة التي يعيشها الشرق الإسلامي، حيث لا كهنوت، ولا طغيان، ولا احتكار، فهزت هذه الرؤية أنفسهم، وبهرت عيونهم، فباتت صكوك الغفران في نظرهم هراء لا طائل تحته، وعبئاً يبعث على الاشمئزاز والاستخفاف.
ولما كانت الكنيسة هي الدين النصراني في نظر أتباعها كان لابد أن يهتز الدين كله في نظرهم باهتزاز صورة الكنيسة، وفقدان الثقة في قدسيتها وطهارة رجالها، وكان ذلك هو بداية السير في طريق الكفر، ونبذ الدين، واستغل أعداء الدين - لا سيما اليهود - تلك الأجواء فبذروا على الفور بذورهم بالمناداة بطرد الدين من حياتهم، ووضعوا أمامهم ذلك الخيار الصعب الذي مفاده: إما أن يؤمن بصكوك الغفران فيحكم على نفسه بالجمود، والغباء، والرجعية المتناهية، وإما أن يكفر بها فيلزمه الكفر بالإطار الذي يحويها بكامله؛ إطار الدين والغيبيات، لا سيما الآخرة، وهو الخيار الذي جسده الفيلسوف اليهودي الوجودي"جان بول سارتر"في إحدى رواياته المشهورة ( الشيطان والرحمن ) .
هذا مع أن الكنيسة في عصرنا الحاضر لا تصدر تلك الصكوك المخزية، بل تستحي من ذكرها، وتخجل كلما دار الحديث عنها.
الباب الثاني: أسباب العلمانية: وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: الطغيان الكنسي: أسبابه، أنواعه ( الطغيان الديني - الطغيان السياسي - الطغيان المالي ) ، الفصل الثاني: الصراع بين الكنيسة والعلم، الفصل الثالث: الثورة الفرنسية: ( الفكر اللاديني - وقوف الكنيسة ضد مطالب الجماهير - القوى الشيطانية الخفية ) ، الفصل الرابع: نظرية التطور: ( آثار الداروينية - انهيار العقيدة الدينية - نفي فكرة الغاية والقصد - حيوانية الإنسان وماديته - فكرة التطور المطلق ) .