فهرس الكتاب

الصفحة 4950 من 27364

لم يعرف عن الحكماء الذين عرفتهم الحضارات القديمة في مختلف أرجاء العالم أنهم قد زعموا إدراك الحقائق واستخلاص التعاليم اعتماداً على إعمال العقل الإنساني فقط؛ فهم إما أرجعوا ذلك إلى حكمة الآباء وموروثاتهم الدينية والفلسفية، أو أن هناك وحي السماء قد أوحي لهم بذلك. فلم يزعم زرادشت (628 ـ 551 قبل الميلاد) في الحضارة الفارسية على سبيل المثال أنه قد أتى بحكمته كناتج عقلي له أو حتى لمن سبقوه، وإنما أعلن أنه «يلبي نداء ربه منذ البداية» (3) .

و (جوتاما بوذا) الذي عاش في الهند في القرن السادس قبل الميلاد أعلن موقفه بأنه ليس سوى واحد من البوذات السابقين (4) .

وعلى الرغم مما يقوله الرواة عن تجنيب كونفوشيوس للمواضيع الدينية فإن «هناك مقولات عديدة يتحدث فيها كونفوشيوس عن السماء الإله الأساسي عند الصينيين، ويبدو أنه قد أحسن في الحقيقة بأنه قد عهدت إليه السماء شفاؤه علل العالم الصيني، وكان أمله أن السماء لا ترضي له أن يخفف» (5) .

وإذا رجعنا إلى الديانات الوثنية القديمة فإننا نجدها تصبغ بعض الصفات الجديرة بالاحترام البشري على آلهتها القديمة مثل (أوزوريس) الذي ارتبط بالخير في الديانة المصرية القديمة.

ولكن المشكلة الأساسية في الحضارة الإغريقية أنها حضارة تعد حضارة ناشئة إلى حد كبير مقارنةً بالحضارات القديمة التليدة، وقد نشأت على يد مجموعة من البرابرة عباد الطبيعة الذين استولوا على بلاد اليونان في أواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد (1104ق. م) .

«وكان على الحضارة الهلينية (الإغريقية) أن تبدأ حياتها بأن تعيش على تراثين خلَّفهما البرابرة هما: الملاحم التي تنسب إلى (هوميروس) والتي أصبحت بالنسبة للمسلمين مجموعة من الآلهة التي لم تكن سوى رموز على تقلبات الطبيعة الغامضة، بل صنعت على صورة الإنسان وصورة الإنسان البربري من دون سائر البشر» (6) .

وما تذكره الأساطير من أفعال غير محترمة لتلك الآلهة ما كان ليجعلها جديرة بالاحترام، بَلْهَ التقديس؛ فالسطو والخطف والاغتصاب والخيانة هي أمور لصيقة بها، وهو الأمر الذي كان له انعكاسه على الضمير الإنثرابولوجي (الضمير الإنساني التاريخي) الغربي، فاسم القارة نفسه (أوروبا) مأخوذ عن (إيروبا) ابنه ملك مدينة صور التي رآها زيوس (كبير الآلهة لديهم الذي لا تنتهي فضائحه) فهام بها حباً، ولكي يفوز بها تقمص شكل ثور وديع، وراح يقفز حولها حتى قفز في الماء حاملاً حبيبته إلى كيريت حيث أنجب منها ثلاثة ذكور. وبلوتو (إله العالم السفلي) يختطف الإلهة كوري ويغتصبها في مملكته تحت الأرض. وكما يقول بيريتراندراسل: «فإن مجمع الآلهة في جبل الأولمب هو حشد صاخب من السادة الذين يعيشون حياة خشنة قاسية. والعقيدة الدينية كما تبدو في ملحمة هوميروس تكاد تكون بلا فاعلية» (1) ، ويتحدث الأستاذ يوسف كرم عن آلهة الأولمب فيقول: «نحن هنا في أحط دركات التشبيه، وبإزاء أوقح أشكال الاستهتار. نرى العاطفة الدينية ضعيفة إلى حد العدم، والمبادئ الخلقية مقلوبة رأساً على عقب» (2) . وما نريد أن نقوله من كل ما سبق أن النتاقض بين الدين والعقلانية في الحضارة الغربية قديم قِدَم الحضارة الإغريقية ذاتها التي تعد الحضارة الغربية امتداداً طبيعياً لها.

«فلم يكن في الديانة القديمة المستمدة من الأساطير الإغريقية ما يغري العقول اليونانية الكبيرة بالإنصات إليها. وهكذا هاجم أكزينوفان (570 ـ 480 ق. م) النزعة التشبيهية (تشبية الآلهة بالبشر) زاعماً أن الثيران يمكن أن تصنع لنفسها أصناماً مماثلة من الثيران. وأنكر أنكساجوراس ألوهية الشمس، وذهب إلى أنها حجر أحمر ملتهب أكبر حجماً من جبل البليونيز» (3) .

وكما يقول المؤرخ الغربي الكبير أرنولد توينبي: «كانت الطبيعة البشرية البربرية التي انعكست صورتها على مجموعة الآلهة الأوليمبية في واقعية مؤلمة، موضعاً للعبادة لا يليق على الإطلاق بمجتمع ما زال في طور التحضر، وهو الأمر الذي أدى بها إلى السقوط سريعاً في نظر العالم الهليني، وذهب الأمر إلى أن أصبحت الآلهة الأوليمبية في قصائد هوميروس ذاتها في صورتها المنقحة الأخيرة التي باتت فيها قانونية معتمدة موضعاً للتجريح والهزء. وما أن حل القرن السادس قبل الميلاد حتى حمل عليها الفيلسوف (كسينوفانيس) حملة شعواء. واضطر الهليونيون إلى البحث عن موضع للعبادة عوضاً عن الآلهة الأوليمبية، وظل هذا البحث جارياً حتى انمحت الحضارة الهلينية نفسها من الوجود» (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت