فهرس الكتاب

الصفحة 4877 من 27364

ليس من العجيب إذن أن تنفر أوربا من ذلك الدين و تتمرد عليه.. إنما كان العجب أنها صبرت عليه كل تلك القرون التي صارت فيما بعد تمردها تسميها القرون الوسطى المظلمة.

و كان رد الفعل هو نبذ هذا الدين، و التحرر من سجنه، فكانت الأفكار و الفلسفات التي تهرول في الاتجه الآخر، بعيدا عن كل ما فيه أثر من ذلك السلطن الكنسي، و كانت العلمانية.

أين هذا من الإسلام، هل من المنطق أن نقارن بين أوروبا و العالم الإسلامي، هل كان لديهم حقا دين صحيح، حتى يقال إن البعد عنه كان مفتاح الازدهار الذي حققوه، و هل كان تاريخ الإسلام تاريخ سلطان ديني و طغيان كابت للحريات و الأفكار و حقر للإنسان، حتى نقول إن العلاج من الانحطاط الذي نحن فيه الآن يكون نفس العلاج الذي نجع في أوروبا؟.. إن الحقائق لا تقول ذلك، و بالتالي لا تقول إن العلمانية هي الحل.

إن العلمانية لا تصلح مع الإسلام، كما أنها لا تصلح مع اليهودية، و لكنها تصلح فقط مع المسيحية الحالية، و لننظر فيما يجري في إسرائيل كلما أرادوا أن يشكلوا حكومة، فإن عليهم أن يسترضوا تلك الاحزاب و الحركات الدينية، و لنقرأ فقط أخبار الأيام الماضية حينما اجتمعت الحكومة لتقرر هل يجوز ليهودي أن يهدم معبدا لليهود أم لا، و قرروا أنه لا يجوز... مرة أخرى أقول إن الحكومة اجتمعت لتقرر ذلك، و منذ شهور جاءت الأنباء بأن جماعات اسرائيلية اعترضت على إعلان في شوراع تل أبيب لأن فيه صورة الممثلة الأمريكية"سارة جيسيكا"عارية الظهر حتى تمت تغطية ظهرها، فعلام يدل هذا؟ ألا يدل على أن العلمانية لا تعمل مع اليهودية؟

أما مع المسيحية فهي عقيدة روحانية و حسب، بينما الشريعة هي اليهودية، و قد كان الأصل أن المسيحية جزء من اليهودية، و لكن من قالوا إنهم اتبعوا المسيح انفصلوا بها و أنشأوا دينهم الخاص و هو القائم حاليا، و كان لابد لمن يغير في دين أن يلقى العنت، و هو ما حدث لهم، فلم يكن هناك من خلاص إلا بالتخلص من هذا الدين الذي اقتطعوه اقتطاعا ما أصوله.

و الإسلام عقيدة و شريعة.. كيف يستطيع مسلم مثلا أن يقيم أحكام الإسلام في المعاملات التجارية أو الأحوال الشخصية أو الميراث، أو عقوبات الجرائم أو غيرها، إذا كان الدين محصورا في حجرة نومه، و في الزوايا هنا و هناك... لابد من سلطة حاكمة ترعى هذا... بمعنى آخر لا يمكن أن يجتمع الإسلام و العلمانية، كما أنه لا يجتمع الليل و النهار معا..

و هناك إشارة بالغة الدلالة و هي أن في القرآن التوجيهات و الأصول و القواعد التي يتعامل بها الإسلام مع غير المسلمين، فما الحاجة إلى ذلك إلا إذا كان الإسلام هو النظام الحاكم، و لو كانت العلمانية حاكمة لما احتجنا إلى القرآن و لكفتنا الوصايا العشر (أي بضع آيات من سورة الإسراء) ، لأن الناس يخرجون من بيوتهم و يتركون ما يعتقدون في حجرات النوم، فلا يكون من داع لأي توجيهات أو أصول أو أحكام دينية...

يجب على صاحب الدين أن يتنازل عن بعض دينه من أجل العلمانية، فالدين هو أسلوب حياة يطلب من معتنقه أن يفعل أشياء و ألا يفعل أشياء، و هذه بالتعبير البسيط قيود، فإذا حاولت في مجتمع علماني أن تمارس هذه القيود ستواجهك جماعات اللادينين بالرفض، و هذه أمثلة أمريكية على هذا، فمنذ شهور دار النزاع في المحاكم بسبب أن إحدى المباني الحكومية أرادت وضع كتلة حجرية في مدخلها، و على هذه الكتلة نص الوصايا العشر، و تظاهرت الجماعات المسيحية مؤيدة، و الجماعات اللادينية معارضة، و كان الحكم أنه لا يجوز وضع هذا المجسم لأنه رمز ديني يجرح مشاعر اللادينيين، و دار نزاع آخر في المحاكم كذلك بشأن هل يجب أن"يُذكر لفظ الله"في تحية الصباح في المدارس يوميا، و هو نزاع مازالوا لم يحسموه بعد، و قد رفعه الأباء اللادينيون الذي يريدون أن يلا يبلبلوا أبناءهم بفكرة وجود إله، و هناك ثالث يجري فيه النزاع حول جواز تدريس فكرة آدم و حواء كبدء للخليقة في المدارس أم عدم الجواز، على أساس أن هناك من هم لا يؤمنون إلا بما قال به داروين، و نحن نسمع و سمعنا بقضايا الحجاب في فرنسا و حاليا في ألمانيا، و في، و تونس و في تركيا و في التليفزيون المصري... فحتى لو كانت العلمانية سائدة فهي لا تعني الحرية، بل تعني أنه لا يجوز لك أن تسلك أي مسلك تشوبه شائبة من الدين، لألا تنجرح مشاعر من الملحدون، و لا أقول أصحاب الديانات الأخرى، لأن من يؤمن بالله حقا، سيحب من الآخرين نفس الأمر، و قبل كل شيئ و بعده، فإن الدين عند الله الإسلام، و هذا هو أساس الفكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت