"ثم خرج حتى عبر دجيلًا واجتمع إليه السودان فلما حضر العيد ركز المردي الذي عليه لواؤه وصلى بهم وخطب للعيد وذكر ما كانوا فيه من الشقاء وأن الله سبحانه استنقذهم من ذلك وأنه يريد أن يرفع أقدارهم ويملكهم العبيد والأموال والمنازل ويبلغ بهم أعلى الأمر ثم حلف لهم على ذلك وكانوا جمعًا كبيرًا وليس لهم إلا ثلاثة أسياف وأهدي له فرس فلم يجد له سرجًا ولا لجامًا فركبه بحبل وسنفه بليف. وما زال ينتقل من مكان إلى مكان ويأخذ ما يقدر عليه وينتهب السلاح وغيره حتى صار له قوة وخاف الموالي منه أن يردهم إلى مواليهم فحلف لهم يوثق من نفسه وقال: ليحط بي منكم جماعة فإن أحسوا مني غدرًا فليقتلوني . وأعلمهم أنه لم يخرج لعرض الدنيا بل غضبًا لله عز وجل ولما رأى من فساد الدين" (1) .
أول سبي لصاحب الزنج:
"ومر على قرية فخالفوه فانتهب منها مالًا عظيمًا وجوهرًا كثيرًا وغلمانًا ونسوة وذلك أول سبي سباه وما زال يعيث وينتهب فجاءه رجل من أهل البصرة فسأله عن البلالية والسعدية فقال: إنما جئت إليك برسالتهم يسألونك شروطًا فإن أعطيتهم إياها سمعوا لك وأطاعوا . فأعطاهم ما سألوا (..) إلى أن اجتمع عليه خلق كثير من أهل البصرة فقال: اللهم إن هذه ساعة النصرة فأعني فزعموا أنه رأى طيورًا بيضاء فأظلتهم. وكان سبب هزيمة أعدائه وقتلهم فقوي عدو الله ودخل رعبه في قلوب أهل البصرة وكتبوا إلى السلطان يخبرونه خبره فوجه جعلان التركي ونزل الخبيث سبخة وأمر أصحابه باتخاذ الأكواخ وبثهم في القرى يغيرون" (2) .
وفي أحداث سنة 270 هـ يقول ابن الجوزي:"فمن الحوادث فيها: وقعة كانت بين أبي أحمد وصاحب الزنج في المحرم أضعفت أركان صاحب الزنج واسمه) بهبوذ) وفي صفر قتل وشرح القصة: أن أبا أحمد ألح على حربه ورغب الناس في جهاد العدو وصار معه جماعة من المطوعة ورتب الناس وأمرهم أن يزحف جميعهم مرة واحدة وعبر يوم الاثنين لثلاث بقين من المحرم سنة سبعين فنصر ومنح أكتاف القوم فولوا منهزمين واتبعهم الناس يقتلون ويأسرون فقتل ما لا يحصى وخربت مدينة الخبيث بأسرها واستنقذوا ما كان فيها من الأسارى من الرجال والنساء والصبيان وهرب الخبيث وخواصه إلى موضع قد كان وطأه لنفسه ملجأ إذا غلب على مدينته فتبعه الناس فانهزم أصحابه وغدا أبو أحمد يوم السبت لليلتين خلتا من صفر فسار إلى الفاسق وكان قد عاد إلى المدينة بعد انصراف الناس فلقي الناس قواد الفسق فأسروهم وجاء البشير بقتل الفاسق ثم جاء رجل معه رأس الفاسق فسجد الناس شكرًا لله تعالى وأمر أحمد فرفع على قناة فارتفعت أصوات الناس بحمد الله تعالى وشكره وأمر أبو أحمد أن يكتب إلى أمصار المسلمين بالنداء في أهل البصرة والأبلة وكور دجلة والأهواز وكورها وأهل واسط وما حولها مما دخله الزنج بقتل الفاسق وأن يؤمروا بالرجوع إلى أوطانهم. وولي البصرة والأبلة وكور دجلة رجلًا من قواده ومواليه وولى قضاء هذه الأماكن محمد بن حماد وقدم ابنه العباس إلى بغداد ومعه رأس الخبيث ليراه الناس فيسروا فوافى بغداد يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى في هذه السنة والرأس بين يديه على قناة فأكثر الناس التكبير والشكر لله تعالى والمدح لابن الموفق وأبيه ودخل أحمد بن الموفق بغداد برأس الخبيث وركب في جيش لم ير مثله من سوق الثلاثاء إلى المخرم وباب الطاق وسوق يحيى حتى هبط إلى الجزيرة ثم انحدر في دجلة إلى قصر الخلافة في جمادى هذه السنة وضربت القباب وزينت الحيطان" (3) .
3)قول العلامة ابن الأثير:
ذكر الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري في أحداث 257ه وفيه أحرق الزنج مدينة البصرة وغدروا بأهلها:
"فلما كان في شوال أزمعا الخبيث على جمع أصحابه لدخول البصرة والجد في اخرابها لضعف أهلها وتفرقهم وخراب ما حولهم من القرى ثم أمر محمد ن يزيد الدارمي وهو أحد من صحبه بالبحرين أن يخرج إلى الأعراب ليجمعهم فأتاه منهم خلق كثير فأناخوا (بالقندل) ووجه إليهم العلوي سليمان بن موسى الشعراني وأمرهم بتطرق البصرة والإيقاع بها ليتمرن الأعراب على ذلك ثم أنهض علي بن أبان وضم إليه طائفة من الأعراب وأمره بإتيان البصرة من ناحية بني سعيد وأمر يحيى بن محمد البحراني بإتيانها مما يلي نهر عدي وضم إليه سائر الأعراب . فكان أول من واقع أهل البصرة علي بن أبان و (بفراج) يومئذ بالبصرة في جماعة من الجند فأقام يقاتلهم يومين ومال الناس نحوه" (4) .
الغدر بأهل البصرة:
(1) ابن الجوزي: المنتظم ـ السابق.
(2) ابن الجوزي: المنتظم ـ السابق.
(3) ابن الجوزي: السابق ج12 ص288.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ دار صادر بيروت مج7ص245 ، 246.