فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 27364

في الفصل السادس من الكتاب ذكر"وليام سميث"أن أحد الشباب الناقمين على النظام في إحدى دول جنوب أمريكا ذكر في إحدى اللقاءات على الشات لضابطة مخابرات كانت على الخط معه (عبر الشات) أن ثمة إشاعات مثيرة تدور بين الناس أن سعر البنزين وبعض المواد الغذائية سوف يرتفع في الأيام القادمة. فسألته الضابطة"وماذا يعني ذلك؟ كل يوم ترتفع الأسعار في العالم"، فرد عليها الشاب: أنت تمزحين، سيثور الناس هذه المرة ويقومون بثورة ضد النظام. كانت تلك المعلومة البسيطة والمهمة لا تعني أن الأسعار سترتفع، بل إن تسارع جهات من الخارج إلى رفعها وإلى إثارة الناس بشكل حقيقي عملية الفوضى عبرها، وهو الشيء الذي تم تنظيمه في جمهورية جورجيا حين تم الكشف عن شبكة تنشط عبر الإنترنت قامت بحشد مجموعة من النشطاء الذين استطاعوا أن يقوموا بعمليات كثيرة ضمن (الثورة الملونة) مؤخرًا. ما يهمنا في الحقيقة هو التأكيد أن الإنترنت لم يعد نافذة على العالم فحسب، بل صار يشكل وسيلة خطيرة للدخول إلى خصوصيات الآخرين وبالتالي تم استغلاله لأغراض مخابراتية عسكرية محضة، هذا شيء لا يختلف عنه أحد اليوم أساسًا.. تضيف الدكتورة"ماري سيغال":"نحن نتساءل عمن يستعمل الإنترنت عادة؟ من الصعب الرد على السؤال؛ لأن الذين يستعملون الإنترنت تتراوح أعمارهم من السادسة إلى الثمانين عامًا، ولهذا يصعب تحديد أسباب الاستعمال خارج ما نسميه أساسًا بالرغبة في كسر حاجز المسافة أولًا، وبالتالي في الحوار."

ما يثير اهتمامنا في المعهد البلجيكي للخدمات الإنترنت هو أن نركز على نقطة مهمة، وهي: لماذا نستعمل الإنترنت؟ هل لتصفح البريد أم لتصفح العالم؟ في هذه النقطة يجب القول: إن العالم لم يعد واسعًا طالما الإنسان الجالس في مقعده يمكنه زيارة واشنطن ونيودلهي في برهة عين، من دون أن يغادر مقعده. هذا شيء عظيم تم إنجازه، إلا أن النتائج كانت فادحة؛ لأن استغلال هذه الشبكة الضخمة تم تعريضه لعوامل خارجية على أساسها تحول الانترنت إلى"سد فراغ"أو تسلية سرعان ما انقلبت إلى مأساة حين عجز الإنسان عن فعل شيء سوى الدخول إلى مواقع الدردشة التي لن يخرج منها إلا بإحساس أنه أضاع وقتًا عليه تداركه بالدخول إلى دردشة أخرى من دون أن يسأل نفسه عن ماذا يجب أن يتكلم أساسًا!

يتدخل الدكتور"جيرالد نيرو"معلقًا:"دعونا نتكلم عن الوضع السائد دوليًا، لا يمكننا بأي حال من الأحوال فصله عن الوضع الشخصي للفرد، وهو الإحساس بالإحباط والضغط أيضًا. هذه عوامل خارجية في غاية الخطورة ساهمت فيها العديد من الجهات دوليًا وإقليميًا وداخليًا، لهذا يعتقد الفرد أن هروبه إلى"السرية"في الحوار عن كل شيء بمثابة التخفيف عن ضغط حقيقي يصيبه يوميًا، والتخفيف يتم في غرف الدردشة التي يوجد فيها من هم هناك لأجل الاستماع! كل شخص يحتاج اليوم إلى من يصغي إليه. غرف الدردشة و"أبواب التعارف عبر الشات"عبارة عن عوالم أعطت للشخص احتياجات كثيرة منها أنه مسموع، لأول مرة في حياته يجد من يتحاور معه ويصغي إليه، ولهذا فأدق معلومة تبدو مهمة، بحيث إن جمع أكبر معلومات عن نفسية الأشخاص المستعملين لتلك الغرف."

هذا نجده بشكل كامل في كتاب"غرف الشات المزدوجة"، والتي يعرض فيها الصحفي (و ضابط المخابرات الإسرائيلي) "دان شستاسكي"أن التركيز على فئة الشباب هي المهمة؛ لأن الشباب مندفع في الكلام، وبالتالي التعرف على الجنس اللطيف هو في الأساس ما جعل مكتب"المخابرات الإنترنتية يلجأ إلى تجنيد ضباط نساء من الشبكة، بحيث إن الطلب عليهن أكبر في العالم الثالث وفي الشرق الأوسط عمومًا!"

رؤية الحرب عبر الانترنت:

لم يقتصر الإنترنت على مجرد مواقع الشات والتحرشات الغريبة والتي يعتقد كل طرف أنه يحقق من خلالها حريته الشخصية أو ما صار يصطلح عليه"ديمقراطية"الفرد في الجماعة، وهو المصطلح الذي يعني أن الفرد في النهاية يؤسس بداية تكوين المجموعة، وهو في الحقيقة المعنى التروتسكي القديم الذي أدى في النهاية إلى إحداث الخلل في العديد من التركيبات الطبيعية لماهية الحرية نفسها، وماهية الإنسان.

ربما في عالم الانترنت، صارت المؤشرات الرقمية هي الأهم، بحيث لم يعد ممكنًا الكلام سوى عن ذلك العالم الكبير الذي حولته الشبكة المعلوماتية والرقمية إلى قرية صغيرة، بيد أن عبارة القرية الصغيرة"اخترعها"الغرب لاختزال كل السياسات غير المتساوية وغير العادلة التي ترتكبها الدول القوية على الدول الضيعة التي تشكل أكثر من نصف سكان العالم. القرية الصغيرة هي الانعكاس الثاني لعالم الإنترنت، بكل ما منحه ذلك العالم من إيجابيات حقيقية وسلبيات جمة؛ لأن الشبكة المفتوحة على"الديمقراطية الفردية"أغرقت شعوبًا كثيرة في الفقر والمآزق السياسية وقادت الأفراد إلى خيانة أوطانهم أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت