وإليك هذه القصة.. يُذكر أن والدي طفل أرادا الذهاب لأمر ما وترك ابنهما في البيت وحده، فغضب الطفل، وحين ركبا السيارة وجدا ضوء الإنذار مضيئًا؛ دلالة على خلل معين. فلما انكشف الوضع، وجدا أن سلكًا قد قُطع بسكين فلما بحثا في الأمر.. اعترف الابن بأنه هو من فعل هذا، وكان يريد أن يقطع سلك (فرامل) السيارة انتقامًا منهما؛ لأنهما سيتركانه وحده!! ولما سُئل: كيف عرفت هذه الطريقة؟ أخبرهما أنها من أحد أفلام الرسوم المتحركة!!
هذا عدا تلقين الطفل كيفية فتح أبواب السيارة وأبواب البيوت بدون مفتاح، وكيفية إضرام التيار الكهربائي بيد رجل بريء آخر بطريقة سهلة للغاية، كما في مسلسل المحقق كونان، كل ذلك نظرًا لما يراه أمام عينيه من حروب وقتال، وجرائم متقنة التصوير والإخراج، مبسطة مسهلة ليدركها بفهمه المحدود، فإن تكرار هذه المشاهد في تلك الأفلام، وفي أفلام الرسوم المتحركة يترك أثرًا بالغ الخطورة على أطفالنا، الذين يعيشون في مجتمع آمن بفضل الله تعالى، يقول أحد الكتاب المختصين:"إن الأطفال الذين يشاهدون سلوكيات عدوانية بحجم كبير في التلفاز، بمقدورهم خزن هذه السلوكيات، ومن ثم استعادتها وتنفيذها، وذلك حالما تظهر المؤثرات الملائمة لإظهار هذه الاستجابة السلوكية العدوانية، وإن تذكر السلوك العدواني الذي يقدم حلًا لمشكلة يواجهها الطفل قد يؤدي إلى إطلاق هذا (المكبوت) من السلوك العدواني، ويصبح المفهوم العدواني مقترنًا مع النجاح في حل مشكلة اجتماعية، ويظل التلفاز الوسيلة الفعّالة في قوة التأثير إعلاميًا".
ولعل كل أب وأم لاحظا كيف ينشدُّ الطفل أكثر عند المشاهد الأكثر عدوانية؛ مثل: الإكثار من الأصوات العالية والضجيج والصياح الغاضب، والشتائم المتكررة، والتهديد بالكلام والإشارات، والعدوان المباشر ضد الأشياء: مثل ضرب الأبواب بعنف، وبعثرة الأشياء، وإلقاء الأشياء ورميها بعنف، والكتابة العشوائية على الجدران، وتكسير الأشياء، وتهشيم النوافذ، وإشعال الحرائق، والعدوان ضد الآخرين مثل: الاندفاع نحو الآخرين بعنف، وضربهم ونتف شعورهم، ومهاجمتهم ومحاولة جرحهم بل وقتلهم والفتك بهم حرقًا وتمزيقًا. وقد أظهرت بعض الدراسات العلمية في أسبانيا أن 39 % من الشباب المنحرفين تلقوا معلوماتهم التي استمدوها في تنفيذ جرائمهم من التلفاز.
وتؤكد الكاتبة طيبة اليحيى: أن المجتمع الغربي ذاته نبذ أنواعًا كثيرة من هذه الرسوم، منها أفلام الخيال العلمي المثيرة وأفلام الفضاء والقتال الدائر فيه، بعد ما تبين للعلماء ضررها في تخريب نفسية الأطفال؛ إذ توسّع أعمال العنف في نفوسهم وتجعلهم يعتادونها، والواقع أن الرسوم المتحركة ليست وحدها المسؤولة عن مثل هذه الجرائم، بل تشترك معها كل أفلام الرعب و الأفلام البوليسية والتحقيق الأمني، للكبار والصغار، وكثير من المجرمين يعترفون حين يُقبض عليهم أنهم يقلدون جرائم الأفلام التي يشاهدونها، والحوادث الواقعية أكثر من أن تحصر في هذا الاتجاه.
إنني أؤكد وبكل قوة أن هذا المجتمع لم يكن يعرف كلمة العنف من الأصل؛ لأنه مصطلح مستورد، ومصنوع في بلاد الغرب ولا فخر، فالغرب الذي عاش على أشلاء الشعوب ولا يزال، وامتص دماءهم عقودًا من الزمن تحت أسماء عديدة، هو اليوم يمارس الفكر نفسه، ولكن بأسماء ورايات أخرى مصبوغة بكل ألوان الطيف، بينما يتباكى على السلام العالمي، وعلى الأمن، والأمان النفسي، ويرفع شعارات القضاء على الإرهاب، وهو لا يزال يشحن برامجه الإعلامية، ومنتجاته السينمائية، وعلى وجه الخصوص أفلام الكارتون الموجهة للأطفال، والألعاب الإلكترونية التي نشأت في الغرب، بما يغرس جذور العنف والبغضاء والحقد في قلوب الصغار الأبرياء، ويغرقهم في أوحال الشر باستخدام التقنيات المتطورة، واستغلال توجّهاتهم وميولهم لإقحامهم في عالم الجريمة بأساليب برّاقة ومؤثرات قوية.. !
وإلى اللقاء في حلقة أخرى من هذه النظرات الفاحصة للرسوم المتحركة.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.