فهرس الكتاب

الصفحة 4011 من 27364

وعلى الرغم من التفوق المعلوماتي الذي يبديه الغرب، فلا يزال شعبه لا يعلم إلا أقل القليل عن شعوب العالم الثالث والتحديات التي تواجهه، فالإعلام الجماهيري الحالي في المركز المنتصر لا يفضل نظيره منذ عشرين سنة ؛ إذ لا يزال يشن حربًا من التجاهل للمشاكل الحقيقية المؤثرة في الجنوب، ويصبح هذا الوجه المزدوج للعولمة (معلومات كثيرة عن العالم الثالث ومعرفة قليلة جدا عن مشاكله) أكثر خطورة عندما تتغلغل القوى الرأسمالية الجديدة في كل ركن من العالم، وتصوغه وفقا لمتطلبات الاقتصاد العالمي الجديد (61) ، ويستخدم الغرب تقنياته البحثية المتفوقة لجنى أرباح أكثر على حساب العالم الثالث، وبالأخص مع استمرار الظروف غير المتكافئة بين الشمال والجنوب (62) .

عجّلت العولمة أيضا نزيف العقول من العالم الثالث إلى المركز المتقدم، ويفضل العديد من مهنيي ومفكري العالم الثالث الإقامة في الولايات المتحدة، وأُطلق على هذه العملية عن حق،"النزف الفكري"لأنها تستنفد الخبراء من الأقطار الفقيرة التي تحتاجهم أشد الاحتياج في كل الحقول العلمية.

ولا يسعى العديد من المهاجرين لمستويات اقتصادية واجتماعية أفضل فقط، بل يهاجرون أيضًا لأن العملية الإنمائية في أقطارهم الأصلية ينقصها الرؤية السليمة لإدماجهم بشكل خلاق، ويكمل ذلك غالبا التقليد الأعمى للشمال الحديث بما يؤدي لنقل التكنولوجيا دون أي إسهام خلاق من الجنوب، بعبارة أخرى يمكن للجنوب أن يشترى التكنولوجيا، ولكن يجب عليه أن يبتدع أشكاله الخاصة من الحداثة والتحديث، ولا يمكن إبداع هذه الأشكال إذا ما استمر رحيل المهنيين المهرة، وكان من تداعيات هذا الوضع التعس معاناة العالم الإسلامي، وبقية العالم الثالث من المشاكل المتداخلة من أمية، وغياب البحث العلمي الصارم، ونقص القيم الديمقراطية.

إن نزيف الموارد الفكرية ظاهرة تنذر بالخطر، إلا أنها أدت إلى نتائج إيجابية، وبالأخص، في المركز المتقدم حيث يدور الحوار حول القيم الدينية والثقافية المتنافسة بين أناس من جماعات دينية وثقافية مختلفة (63) وإضافة إلى ذلك يحتاج الشمال عمال العالم الثالث، فتستورد أوربا العمالة الماهرة وغير الماهرة من العديد من أقطار العالم الثالث، وأبرزها المغرب والجزائر وتونس وتركيا وباكستان، وتكشف هذه الهجرة الجماعية المستمرة عن التخلف المستمر لهذه الأقطار، فالتخلف هو عدم القدرة على إبداع واستخدام الموارد الإنسانية الماهرة ببراعة وعقلانية (64) ، ولا يرحل المهاجرون المهرة عن أقطارهم للأسباب المالية وحدها، بل لأن البلد الذي يتبناهم يقدم فرصة أفضل للحصول على تعليم أعلى في مهنتهم وفرصاً أكبر للتقدم.

إن المعرفة العلمية معلم رئيس على التنمية والتقدم في المجتمع المعاصر، ونظراً للتقدم السريع في العلم والتكنولوجيا فإن عالم المعرفة سيضاعف معلوماته العلمية في العقد القديم أو قريبا من ذلك، وهذا قدر هائل بالنظر إلى حقيقة أننا نتعلم في عقد أكثر مما كان أسلافنا يتعلمونه في ألف عام إلا أن الغرب واليابان يتحكمان بأغلب هذه المعرفة، بينما تستمر أفضل عقول العالم الثالث في الهجرة إلى المركز، ويتسبب هذا في فجوات معرفية أساسية بين الشمال والجنوب تجعل ـ بتزاوجها مع إحساس الشمال بسموه الثقافي ـ من الصعب تأسيس اتصال ثقافي فعال بين الشمال والجنوب"فمسألة التمركز العرقي حول الذات هي التي تجعل من الصعب تأسيس اتصال ثقافي حقيقي" (65) . إن الغرب الذي يشكل الآن 22% من سكان العالم، 16% فقط بعد ثلاثين عاما يستهلك 70% من إجمالي موارد العالم وتسيطر عليه ثلاثة هواجس: الاتجاهات السكانية للعالم الثالث، والأخلاق المسيحية اليهودية، واليابان (66) . يواجه العالم تحدي التعددية الثقافية، ويحمل المستقبل مشهدين مستقبليين (سيناريوهين) ممكنين: إما إعادة تعزيز نسق دولي أحادي، كما يبدو اليوم في النظام العالمي الجديد المتميز بالتفوق الأمريكي، أو الحفاظ على التنوع الثقافي، وهى القيمة التي يجب على العالم الدفاع عنها ، وبدون هذا الدفاع لن يحقق العالم الثالث تحرره الثقافي الكامل واستقلاله.

إن الغرب يعيد خلق التاريخ المنصرم في شكل جديد من إعادة الاستعمار، وهو ما بعد الاستعمار، و تنشئ العولمة نظاماً عالمياً جديداً سيبدو بعد عقود قليلة مختلفاً جداً، فقد بدأت التحولات الرئيسة تأخذ مجراها بالفعل من انهيار الاشتراكية، وانتشار الخصخصة في أقطار مثل: الصين والهند ومصر، وصعود القوى الإقليمية كالجماعة الأوربية على إثر التفوق الأمريكي، واتساع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين الفقراء والأثرياء داخل الأقطار وفيما بينها، وعولمة الاستغلال كتداعٍ طبيعي للخصخصة، والاستثمار متعدد الجنسية، وصعود القومية المغالية، والتطهير العرقي، ومشكلات اللاجئين الجديدة، وإضفاء الطابع الدولي على الجريمة، وخاصة ذات الصلة بالمافيا واختلال استقرار الدولة القومية، وخلق أعداء دوليين جدد (67)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت