وعلى الرغم من أنني سعدت بإعجاب السيد ياسين بآراء ميل مطر ومع ذلك فقد ضحكت لأنني عندما كنت أكتب كتاباً عن المودودي في السبعينات وجدت أن المودودي عندما تحدث عن النظريات التي تقوم عليها الحضارة الغربية فإنه حددها في: فلسفة هيجل في التاريخ ـ نظرية دارون في الأحياء ـ الصراع الطبقي عند ماركس. وتكلم المودودي في ذلك كلاماً نفيساً وعبقرياً لماذا؟. لأن نظرية هيجل في فلسفة التاريخ تذهب إلى أن العصر الجديد ينسخ العصر القديم.. ليس هناك ثوابت (عملية نسخ) ... عند دارون القوي ينسخ الضعيف ويزيله.. عند ماركس الطبقة الوليدة تنسخ الطبقات السابقة.. إذاً المحور في الحضارة الغربية هو الموقف الصراعي: طرف يصرع الآخر وينهيه ويزيله وينفرد بالميدان وعندما كتبت كتابي عن المودودي وعرضت أفكاره هذه في باب عن نقد الحضارة العربية وكنت قد نشرت جزءاً من هذه الدراسة قبل طبع الكتاب في مجلة العربي في أوائل الثمنينات فإذا بالدكتور فؤاد زكريا ينفذني في العربي ويقول: هذا الذي كنا نتصور أنه مستنير هاهو يهاجم الداروينية ويقول عنها هذا الكلام.
لقد تكلمنا عن أن الداروينية قدمت مبرراً للاستعمار لأن الاستعمار بدلاً من أن يشعر بتأنيب الضمير يعتقد من خلال هذه النظريات أنه يقوم برسالة حضارية عندما يزيل مواريث الأمم والبنى التحتية لها ومجتمعها المدني القائم بها والحرف والصناعات الخاصة بها ويعتبر نفسه أنه يمدنها. حتى ماركس تكلم عن أن غزو فرنسا للجزائر من التمدن وإزالة الرجعية والتخلف وتحدث بنفس هذا المنطق عن الهند مع أن الماركسيين عندنا كانوا دائماً يخفون هذه النصوص لأنها تفحض الرجل لأنه كان يتحدث عن أن الاستعمار يقوم بدور تحديثي ودور تمديني للمجتمعات المستعمرة.
فأنا عندما تحدثت عن النزعة الداروينية انطلاقاً من كلام المودودي عن الحضارة الغربية سخر مني فؤاد زكريا وهذا ما جعلني أضحك من إعجاب السيد ياسين بما قاله جميل مطر وقلت في نفسي لو كان السيد ياسين قرأ لي أنا هذا الكلام أو لأحد غيري من الاسلاميين لما كان كتب هذا الإعجاب الذي كتبه عن كلام جميل مطر. لأنه عندنا تحدث طائفية ثقافية حيث يختلف الموقف مما يقوله أحد الاسلاميين عما إذا قاله غيره من الباحثين والكتاب.
هذه هي قضيتنا مع الحضارة الغربية ففي الاقتصاد يحدث اجتياح لاقتصاد الشعوب وأنال ست متخصصاً في الاقتصاد ولكني أريد أن يجيب الاقتصاديون عندنا عن تفسير ما حدث بالنسبة للنمور الآسيوية. لقد تابعت بعض التفسيرات التي كتبت في هذا مثل أبحاث الدكتور حازم الببلاوي وغيره ومع ذلك سأقدم لكم تفسيراً أعلم أنني لو كتبته لهوجمت من العلمانيين هجوماً شديداً.
فالتجارب التي حدثت في أندونيسيا وماليزيا برغم عظمتها كان هناك دور كبير للشركات المتعددة الجنسية بالنسبة لها وبالتالي لم تكن مفاتيح الأمور بأيدي الحكومات والشعوب فالتنمية التي تجدث نتيجة التدخل الأجنبي من الممكن عند اللزوم القضاء عليها. والنقطة الأخرى أن هذه التجارب التنموية ربطت نفسها بالمركز الغربي فلم يكن هناك سوق إسلامية مثلاً وبالتالي فأنت لست حراً حقيقة: فرأس المال أجنبي والشركات أجنبية. والاستثمارات أجنبية والخبرات أجنبية والتكنولوجيا غربية والأسواق غربية.. وهكذا فأنت مربوط بالمركز الغربي.
الأمر الآخر هو حكاية سوق المال وقد قال مهاتير محمد: إن الملياردير سورس بما فعله من لعب في البورصة هو الذي بدأ الضرب في هذه التجارب. ففكرة تحول المال إلى سلعة يضارب عليها وجعلها بديلاً للإنتاج والعمل هي نفسها الفكرة التي وراء تحريم الاسلام للربا فنحن هنا في الأزهر نتعارك حول الفائدة وهل هي حلال أم حرام وليست هذه هي القضية الأصلية.. فالقضية الأصلية هي فلسفة الاسلام في المال. إن المال ليس سلعة يتاجر فيها لأن هذا هو الذي يصنع التضخم ويصنع عالماً اقتصادياً آخراً لا علاقة له بالاقتصاد الحقيقي.. ليس له أدنى علاقة بالإنتاج أو الزراعة أو الصناعة أو بكل هذه الأمور. وهذا يبين أهمية الرؤية الاسلامية في فلسفة الأموال والتي أرى وجوب دراسة عيوب ما حدث في التجارب الآسيوية في ضوئها.