فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 27364

*العلاقة بين العدمية وما بعد الحداثة:

إن المُنظِّر الأساسي للعدمية في العصر الحديث هو (نيتشه) وهو أيضًا واحد من المتقدمين الأساسيين لنظرية (ما بعد الحداثة) في التراث الفلسفي الغربي. وهذا يعني أن تفكير (نيتشه) يضم عناصر كبيرة مما يسمى (ما بعد الحداثة) .

وتوصيف نظرية العدمية وربطها بـ (ما بعد الحداثة) أمر في غاية الصعوبة، وخصوصًا أن (نيتشه) إنسان غامض ونظريته ـ كباقي النظريات ـ مفتوحة لكثير من التفسيرات والملاحظات. إلا أنه بالإمكان قراءة نظرية (نيتشه) بطريقة حديثة. وقد قام بتفسيرها وربطها بالحداثة الفيلسوف الإيطالي (فاتيمو) حيث يتصور أن الأشكال العامة لما بعد الحداثة هي في تحولات العدمية؛ فالعدمية تؤكد وتثبت ولا تنكر عن طريق ما بعد الحداثة، فيصح إطلاق القول لما بعد الحداثة بالعدمية.

كتب (نيتشه) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر: «العدمية هي علة عصر الحداثة، وخصوصًا، الحداثة الأرومية، فتأثيرها يطال المجتمع الغربي وثقافته بشكل عام بالإضافة إلى الفرد بشكل خاص» . وشخَّص (نيتشه) العدمية بالنبوءة؛ فهو يقول: «ما أرويه هو تاريخ القرنين القادمين؛ فأنا أصف ما سيأتي» وما يأتي قريبًا هو: مجيء العدمية. فعند (نيتشه) أن جذور العدمية تنبثق من الماضي وتمتد في المستقبل. ويكشف الفيلسوف الإيطالي (فاتيمو) استقرائيًا العلاقة بين العدمية وما بعد الحداثة ليبين وثاقة الصلة بين نظرية عدمية (نيتشه) مع حالة (ما بعد الحداثة) .

فما بعد الحداثة ـ وهو أسلوب من التفكير ـ يُتهم في الغالب بأنه عدمي، وينظر إلى مجتمع عدمي. وبتحليل أعمق للعلاقة بين العدمية وما بعد الحداثة والتي ـ نادرًا ـ ما يهدف مشروع ما بعد الحداثة إلى تحرير الإنسانية من خلال تطبيق العقل في الممارسة الاجتماعية. فـ (ما بعد الحداثة) تعني تكاثر وتزايد العلم والتقنيات خلال التصنيع، وإدارة كثير من مظاهر الحياة الاجتماعية، وتطبيق المشاريع السياسية والاقتصادية والسوق الرأسمالية. فـ (ما بعد الحداثة) تتميز بانشطار وتمزق المجتمع إلى مجتمعات متعددة، وأشكال جديدة غير قابلة للقياس. فهذه التشطرات لا يستطيع شخص وصف الواقع الاجتماعي فيها برمته. وبالرغم من الاختلافات بين النظريات المتنوعة لما بعد الحداثة، إلا أن (فاتيمو) يعتقد أنه يوجد اتفاق عام لمعنى فكرة ما بعد الحداثة. ولو كان لهذه الفكرة معنى فإنه يجب أن توصف بمصطلح (نهاية التاريخ) .

وفقًا لوجهة نظر (فاتيمو) ، توصف الحداثة عن طريق فكرة التقدم، والفكرة تستند إلى خط أُحادي النظرة للتاريخ؛ إذ لا نملك سوى نظرة أحادية للتاريخ. وهذه النظرة بُنيت كخط متسق مع المجتمع الذي يتقدم مع مضي الزمن. ففي ميزان الحداثة: الحديث أو الجديد هو بذاته قيمة. وستأتي الحداثة للنهاية عندما لا تنظر للتاريخ بنظرة أحادية، ومن ثَمَّ ينتج ما بعد الحداثة. لذا فإن الموضوع العام (نهاية التاريخ) تعني نهاية الخط الأحادي للتاريخ.

*ماذا تعني دعوى (نهاية التاريخ) ؟

نهاية التاريخ «تعني نهاية الخط الأحادي للتاريخ» : لماذا ينتهي التاريخ؟ يذكر «فاتيمو» ثلاثة أسباب لذلك:

الأول: نظرية أُحادي النظرة للتاريخ، وهي نظرية أيديولوجية تاريخية متحيزة بانتقائية تخدم أغراضًا سياسية لمجموعة من الناس على حساب الآخرين. وفلاسفة التاريخ والمؤرخون يقولون إن النظرة التاريخية الأحادية والتي تؤدي للتقدم الحديث هي فقط تمثل تاريخ الرجل الأوروبي. هناك تواريخ متعددة تظهر رؤى متعددة. وتأكيد تاريخ واحد مسيطر أو ملخص لهذه التواريخ يعني سحق وإبادة للآخرين بطريقة جائرة. مثال ذلك: الرؤية الغربية للتاريخ «تطور العقل» ، استُعملت لتبرير استعمار الشعوب الأقل عقلانية. فالأيديولوجية لهذا التاريخ أيدت الاستبداد والعبودية والإبادة الجماعية للسلالات الأقل درجة، وهي تمثل (نظرية داروين) المادية الملحدة.

الثاني: تفكيك أُحادي النظرة للتاريخ؛ وهذا أدى إلى نهاية الإمبريالية الأوروبية.

فالشعوب المُستبدة تمردت وأكدت وجودها مما جعل الآخرين يدركون أن هناك تواريخ بديلة، وأن التقدم الأيديولوجي يتسم بدرجة عالية من الظلم.

الثالث: وسائل الاتصال الضخمة في ظل وسائل الإعلام الهائلة؛ فإن الثقافة الأقل تُتاح لها الفرصة أن تعبر عن رأيها، ومن ثَم ازدياد التعددية في المجتمع؛ فالإعلام جعلنا مدركين لحقيقة التاريخ أحادي النظرة. فتقنية المعلومات والإعلام جعلت الناس يزداد لديهم الإدراك بأن هناك تواريخ متعددة، وليس تاريخًا واحدًا.

باختصار: فإن (ما بعد الحداثة) عند (فاتيمو) وُصف عن طريق (نهاية التاريخ) في مجتمعات الاتصال الهائل المؤسس لعصر الانشطار والتعددية والتنوعية.

ومما يقبل الجدل أن العدمية الحديثة تتبع الحداثة في العموم في توظيف تفسير التاريخ الأحادي؛ فهي تذكر أنموذجًا واحدًا وهو الرجل الأوروبي، والتي تقول إنه قدر الإنسانية جمعاء. بينما الحقيقة أن العدمية تعود فقط إلى الغرب كإشارة. لذلك فالعدمية الحديثة هي نقدية التاريخ، والتقدم هو تفكير تطرفي فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت