فهرس الكتاب

الصفحة 3568 من 27364

ولكن لنا أن نسأل: لماذا يهاجر الناس، ولماذا تغزو بعض البلاد بعضاً؟ إنهم يفعلون ذلك؛ لأنهم يرونه ـ بحسب قيمهم ـ في مصلحتهم المادية أو الروحية. هذا إذن هو الدافع الأول المحرك للهجرة أو الغزو أو أي نوع آخر من أنواع الاتصال بين أمة وأمة. لكن الناس إنما يقررون الهجرة إلى مكان معين أو غزو أمة معينة بحسب ما يصلهم من معلومات عنها، وبحسب إمكانية الوصول إليها. هذان إذن عاملان آخران هما المعلومات ووسائل الانتقال؛ وهذان يعتمدان كثيراً على مستوى التقنية الذي تصل إليه الأمة المهاجرة أو الغازية أو الساعية لأي نوع آخر من أنواع العلاقات أو التأثير.

دوافع أمة لغزو أمة أخرى أو هجرة بعضهم إليها هي في غالبها دوافع اقتصادية، لكن بعضها قد يكون ثقافياً. والأمران متشابكان؛ فحتى الغازي لأسباب اقتصادية ينقل معه ثقافته وقد يفرضها على المهزومين إذا كان غازياً ذا إمكانات كبيرة، وقد يتأثر بثقافة من غزاهم، بل وقد يتبناها ويترك ثقافته، وقد يكون التأثر والتأثير متبادلاً. والمهاجر أو الغازي لأسباب ثقافية قد يستفيد فوائد اقتصادية، وقد يحدث لثقافته التي هاجر من أجلها ما يحدث للمهاجر.

كان غزو المسلمين للعالم مثالاً للغزو بدافع حضاري؛ فقد كانوا يعدون أنفسهم أصحاب رسالة موجهة للعالم كله كلفوا هم بتبليغها إليه بالوسائل السلمية ما أمكن، وإلا باللجوء إلى الحرب. لكن حتى المسلمين الذين كانوا يهاجرون طلباً للرزق كانت مهمتهم الرسالية ماثلة أمامهم، فأثروا في البلاد التي هاجروا إليها تأثيراً كبيراً، فنقلوا إليها ـ كما نقل الغزاة قبلهم ـ دينهم ولغتهم ولم يتأثروا بهم إلا في أمور لا تتعارض مع دينهم، بل قد يكون بعضها من مقتضيات الدعوة إليه، كتعلم لغتهم.

أما المسلمون الذين يهاجرون إلى البلاد الغربية في أيامنا هذه فإنهم يفعلون ذلك لأسباب في غالبيتها العظمى اقتصادية، وتجربتهم تدل على أن الغالبية العظمى منهم تفقد هويتها الثقافية ـ لغة ومظهراً وديناً ـ وتذوب في المجتمعات الغربية. لكن أكثر ما يحتفظون به ويؤثرون به في تلك المجتمعات هو طعامهم. غير أن قلة من هؤلاء الذين هاجروا لأسباب اقتصادية كانت ـ مع القلة التي تسافر لأسباب دعوية أو دراسية ـ سبباً في قبول بعض الغربيين للإسلام، وفي انتشار بعض المظاهر الإسلامية كالمساجد والمدارس والمكتبات والحجاب.

أما الغربيون الذين ذهبوا إلى العالم الإسلامي غزاة أو لأسباب اقتصادية فإن قلة قليلة منهم هي التي تأثرت بالثقافة الإسلامية أو اعتنقت الإسلام. ولذلك كان دخول بضعة آلاف من الجنود الأمريكان في الإسلام في المدة القصيرة التي قضوها في السعودية إبان حرب الخليج أمراً ملفتاً للنظر شاذاً عن القاعدة. لكن دخول غير الغربيين المهاجرين إلى العالم الإسلامي كان ولا يزال أمراً معتاداً.

أما غزو الغرب للعالم فقد كان في أساسه لأسباب اقتصادية، لكن الدافع الرسالي كان أيضاً حاضراً فيه حضوراً بيناً. فالغربيون كانوا يرون أن لهم رسالة هي أن يحضِّروا العالم ويجعلوه نصرانياً. وهم يرون أن حضارتهم تفوق الحضارات الأخرى لما تمتاز به من عقلانية لا توجد في غيرها، وأن هذه الميزة هي التي تؤهلها لأن تكون الحضارة العالمية. يرى أحد الأساتذة الأرجنتينيين أن أحسن من يعبر عن هذا الاعتقاد هو هيجل وينقل عنه قوله: «إن الروح الألمانية هي روح العالم الجديد» . ويقول: إن هيجل يرى أن الروح الأوروبية التي هي روح ألمانيا هي الحقيقة المطلقة التي تحقق نفسها بنفسها من غير أن تكون مدينة لأحد سواها. ويقول ـ أعني الكاتب ـ: إن هذه القضية ـ يعني قضية هيجل ـ لم تفرض نفسها على أوروبا والولايات المتحدة فحسب؛ بل على كل المجال الفكري لأطراف العالم (1) . ويقول أستاذ بجامعة ديوك الأمريكية: «إنه لأمر عجيب وإنها لحركة في غاية التعصب العنصري أن تعتقد أوروبا أن عليها منذ عام 1500م أن تحضِّر عالماً ظلت فيه منذ قرون حضارات (مثل الحضارة الصينية والهندية والإسلامية...) قبل أن تجعل من نفسها مركزاً جديداً للعالم باسم النصرانية وأوروبا زمرة من الجماعات الهمجية الصاعدة» (1) ، وأحسن من عبر عن الجمع بين الدافعين الاقتصادي والحضاري هو المؤرخ الأسباني الذي سوغ ذهابه وزملاءه لغزو الجزر الهندية بقوله: «خدمة لله ولصاحب الجلالة، ولنقل النور إلى أولئك الجالسين في الظلام، ولنصير أغنياء كما أن كل إنسان يريد أن يصير» (2) .

استطاعت أوروبا أن تفرض نفسها وكثيراً من جوانب حضارتها على تلك الحضارات بالغزو والاحتلال والاستعمار، ثم بوسائل الإعلام والضغوط الاقتصادية، والتهديدات العسكرية. يقول مؤرخهم المعاصر بشيء من الزهو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت