فهرس الكتاب

الصفحة 3369 من 27364

إن انطلاقة الإنترنت التي بدأت وعداً جديداً للقرن الحادي والعشرين، هي إحدى التناقضات التي تغذي الآمال. لقد ولدت شبكة الإنترنت من ضرورة ربط العالم بالمخططات العسكرية أي إنها جاءت لخدمة الحرب والموت، واليوم تشكل مجمعاً للأصوات التي لم تكن تجد من قبل مكاناً للتعبير والانتشار، واليوم يمتلكون شبكات ووسائل للاتصال، لكنها تخدم التجارة العالمية والتضليل أيضاً، وقد فتحت آفاقاً أوسع من دون شك وأكثر حرية، استفاد منها الإعلام المستقل الذي لم يجد إلا أبواباً مقفلة في الوسائل الأخرى كالتلفزيون والصحافة.

الأهداف والوسائل:

في اليونان القديمة كانوا يدينون بشدة القتل بالسكين والمقصلة. فعندما كانت تحدث جريمة، كان الناس يرمون بالسكين في النهر، واليوم نعلم أن هناك الوسائل من جهة، والأهداف التي تتناسب مع هذه الوسائل من جهة أخرى. ففي العالم المأساة هي فرض التلفزيون التجاري والنموذج الأمريكي كألمانيا، الدانمارك وهولندا. فلقد اكتملت مهمة التلفزيون الموجه لأهداف مختلفة تماماً على قاعدة الملك العمومي والمنفعة العامة، وفي المقابل هنا تم فرض النموذج الأمريكي للتلفزيون التجاري حيث كل ما يباع جيد وما لا يباع هو سيئ؟

معركة السكان الأصليين:

واحد من أهم الأسرار العضلية وإحدى أكبر مصادر الطاقة لهذه الأراضي هم أناسها. إن استعادة قوة حركات السكان الأصليين وحيوية القيم التي يتمثلونها تأتي من قيمة أساسية هي قيمة التوحد مع الطبيعة، وهي رمز لقيم جماعية لحياة مشتركة غير متمركزة حول الجشع، قيم أتت من الماضي لكنها تتحدث مع الطبيعة ولديها الكثير لتقوله للإنسانية. واليوم تجد لها صدى واسعاً لأنها هي ما تحتاجه الإنسانية لإسعادها اليوم، في عالم أواصر التكافل جرحت وانقطعت بشكل فظيع، وعالم متمركز حول الذات وقيم >لينجو من يستطيعكل مسؤول عن نفسه.

عن الإنسان والأرض:

على مدى خمسة قرون، تم ترويض أمريكا اللاتينية على عزل الإنسان عن الطبيعة، والإنسان هنا هو المرأة والرجل، الطبيعة من جهة والشخصية الإنسانية من جهة أخرى، العالم كله عرف وشهد الطلاق نفسه.

الكثير من السكان الأصليين الذين تم حرقهم أحياء بتهمة ذنب عبادة الأوثان، لم يكونوا أكثر من أخصائيي علم بيئة، والذين طبقوا علم البيئة هذا الوحيد المحترم في نظري، علم بيئة يوحد بين الإنسان والطبيعة، الوحدة بين الطبيعة والروح الجماعية، هما المفتاحان اللذان يفسران سر استمرار القيم الأصلية التقليدية على رغم خمسة قرون من الاضطهاد والازدراء.

على مر القرون، صُوِّرت الطبيعة دائماً على أنها حيوان غريب وغادر يجب ترويضه، واليوم حيث أصبحنا جميعاً من الخضر بفعل حملة دعائية إشهارية مبنية على الأقوال لا الأفعال، حَوَّلنا الطبيعة إلى شيء يجب حمايته، لكن ظلت هذه الطبيعة مفارقة لنا على أية حال، و مازالت موضوعاً للسيطرة وجني الأرباح.

أصبح من الضروري استدعاء إحساس السكان الأصليين من أجل إعادة التوحد مع الطبيعة، الطبيعة ليست منظراً ريفياً خلاباً بل هي نحن والمكان الذي نعيش فيه، ولا أعني بالطبيعة فقط الغابات وإنما ذلك التصور المفتوح لها والذي امتلكه السكان الأصليون الأمريكيون، وهي مقدسة لأن هنالك إحساس بسرعة ردة فعلها وانقلاب أي عمل أو جريمة بحقها علينا، وإن كانت هذه الجرائم تتحول إلى انتحارات جماعية، وهو ما نشاهده في المدن الكبرى لأمريكا اللاتينية، النسخ السيئة لمدن العالم المتقدم حيث يصعب التجوال والتنفس.

إننا نعيش اليوم في عالم هواؤه مسموم، ماؤه مسموم وأرضه مسمومة، وفوق هذا كله، الروح أيضا تسممت، ليتنا نستطيع استرجاع طاقتنا للعلاج.

الذاكرة منجنيقاً:

كنت دائم التساؤل خاصة أيام وليالي الحرب والحب: هل ستسعفنا الذاكرة بأن نظل سعداء؟ إلى الآن لم أحصل على إجابة شافية. تحكي رواية لكاتبة أمريكية عن جد التقى بحفيده وكان الجد فاقداً للذاكرة، وأخذت أفكاره لون الماء، كما إن الحفيد ولد حديثاً وبالتالي فلا ذاكرة له أيضاً، عندما قرأت الرواية قلت: هذه هي السعادة الكاملة، لكنني لا أريدها بهذه الطريقة. أريد سعادة تنبثق من الذاكرة لأحارب بها سعادة تأتي من التجارب. لا أتصور الذاكرة مرساةً حديديةً أو منجنيقاً يرمي باللهب النارية، ليست ذاكرة خط الوصول وإنما الذاكرة بوصفها نقطة انطلاق.

هناك تقليد أصيل في أمريكا اللاتينية في جزر المحيط الهادي، وفي كندا والمناطق الأخرى كشياباس في المكسيك، مفاده أن الحرفي الذي يوشك على التقاعد بسبب الأيدي التي بدأت ترتجف والعيون التي لم تعد ترى إلا قليلاً، يقوم بتسليم أروع إناء خزفي له في طقوس تشبه المراسيم الدينية للمهني المبتدئ الذي يعيد بدوره ثقبها وإعادة صنعها قبل وضعها في ورشته الخاصة، هذه هي الذاكرة التي أؤمن بها حقاً.

صورة ذاتية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت