ومع أهميةِ هذه البياناتِ المستنكِرةِ، فينبغي للمسلمينَ حكوماتٍ وشعوباً ألاَّ يقفُوا عند حدودِ التنديد، بل يُواصِلُوا استنكارَهم حتى تَوقعَ العقوبةُ الرادعةُ على المجرمينَ ومن ورائهم، وحتى يعلمَ العالمُ أنَّ الإسلامَ عزيزٌ في نفوسِ أتباعه، وأنَّ القرآنَ عظيمٌ في قلوبِ أهله، وأنَّ للمستضعفينَ من يُناصِرُهم ويُدافعُ عن حقُوقِهم وكرامتهم، فالسجناءُ المسلمونَ هُناكَ أُوذُوا وعُذِّبُوا، وانتُهكت حقُوقِهم وقد آنَ الأوانُ لنُصرتِهم والدفاعِ عنهم، وينبغي أن تٌعرَّى أنظمةُ الغربِ المُدَّعيةِ لحريةِ الأديان، والزاعمةِ لتأمينِ الديمقراطيةِ للشعوب ، وهاهيَ اليومَ تُمارِسُ العنصريةَ والاستبدادَ والانتهاك، بأبشعِ صُورِها ، وترسِمُ مشهداً موحشاً للغربِ وجنودهِ ، يتجاوزُ الإساءةَ للبشرِ إلى الإساءةِ وقلّة الأدبِ مع اللهِ وكلامهِ ووحيه، ويُطالُ ذلك شرائعَ السماءِ كلَّها .
اللهمَّ إنا نبرأُ إليكَ ممَّا صنعهُ المُجرِمُون، ونسألُكَ أن تسلّطَ عليهم من ينتقمُ منهم إنَّكَ قويٌ شديدٌ المحال .
وبالمناسبةِ نُذكِّرُ المسلمينَ وغيرَ المسلمينَ، ولا سيما من أهلِ الكتابِ أنَّ القرآنَ خضعت لعظمتهِ الأفئدة، وخرَّ للأذقانِ سُجداً أهلُ العلمِ من أهلِّ الكتاب حين تُلي عليهم، وسُجلَ الموقفُ الرهيبُ في القرآنِ، وتحدى اللهُ من أعرضَ عن القرآنِ ولم يُؤمن به، فقال تعالى مادحاً لأهلِ العلمِ من أهلِ الكتابِ ، وقادحاً على من كَذَّب بهِ وأعرضَ عنهُ من أهلِ الأوثانِ: (( قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا* ) ) ( سورة الإسراء 107 - 109)
قال السَعدي- رحمه الله-: ("وهؤلاءِ كالذينَ مَنَّ اللهُ عليهم من مُؤمني أهلِ الكتابِ كعبدُ اللهِ بن سلام وغيرهِ ممن أسلمَ في وقتَ النبي- صلى الله عليه وسلم -، بعد ذلك( تفسير السعدي 4 / 322 ) "
والمشهدُ هُنا يفوقُ الوصفَ ولا تكفي الألفاظُ لتصويرِ الموقفِ، فتنسكبُ الدموعُ معبرةً عمَّا يجيشُ في الصدورِ،
أينَ هؤلاءَ المُدَنِسُونَ للقرآنِ؟ والمُمَزِقُونَ لما أُنزلَ على الرسولِ r ممن سبقَهم من نصارى، قال اللهُ عنهم: (( وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) ) ( سورة المائدة / 83) اللهمَّ اجعلنا من أهلِ القرآنِ، وممن يُعظِمونَ القرآن .
الخطبة الثانية
إخوةَ الإسلام:
القرآنُ في غُوانتناموا تدنيسٌ أم تكريس ؟
هل ما نُسبَ إلى الجنودِ الأمريكانِ هُناكَ تدنيسٌ للمصحفِ الشريفِ أم تكريسٌ للعدوانِ على المسلمينِ بشكلٍ عام ؟
أهُوَ تدنيسٌ للمصحفِ كما صنعُوا أم هُو تكريسٌ للاهتمامِ بهِ من قبلِ المسلمينَ كما ينبغي، فالمسلمونَ يُدرِكُونَ أنَّ القرآنَ هادٍ لا يَضِلُّ، وناصحٌ لا يغشُّ، ومحدثٌ لا يكذبُ، فيه زيادةٌ من هُدى ونقصٌ من عمى ، وشفاءٌ من عي، شافعٌ مُشفع، وقائِلٌ مصدق .
إنَّ المسلمينَ لا ينبغي أن ينطلِقُوا في عِنايتهم بالقرآنِ من ردودِ الأفعالِ، ولكن مِثلَ هذهِ الأحداثِ المُؤسفةِ تُذكِرُهُم بواجِبِهم تجاهَ القرآنِ تعلماً وتعليماً، وعنايةً ودعماً ، ودعوةً ونشراً للقرآن .
إنَّ حادثةَ تدنيسِ القرآنِ هُناكَ تُذكِرُ المسلمينَ بموقفِ أعدائِهم من القرآنِ والإسلام، وتُنبِهُهُم إلى تعظيمِ اللهِ بتعظيم كتابِه، وإغاظةِ الأعداءِ بالعودةِ للإسلامِ وحَمْلِ القرآن.
ولقد فَهمَ السابِقُونَ أنَّ القرآنََ رسائلُ من ربِهم، فكانُوا يتدبرُونَهُ بالليلِ، ويتفقدُونَهُ بالنهار- وكذلك ينبغي أن يفهَمَ اللاحِقُونَ من المسلمين - ( كما أثُرَ عن الحسنِ بن علي- رضي الله عنهما- ) التبيان للنووي / 28 ) .
أيُّها المسلمُون: وقفةٌ ومصارحةٌ، ماذا وراءَ احتجاجِنا وغضبتِنا لما يصنَعُهُ الأعداءُ بالقرآن ؟
وشكراً لك أيُّها المسلمُ وأنتَ مُثابٌ حين تغضبُ للهِ، وتدافعُ عن القرآنِ، ولكن قُل لي بصراحةٍ ما وردَكَ اليومي من القرآنِ حين تغضبُ للقرآن ؟ وكيفَ تعظيمُكَ لأحكامِ القرآنِ حينَ تُدافِعُ عن القرآن ؟ وما مدى عِنايَتُكَ بتعليمِ وتحفيظِ أبنائِك للقرآن ؟ (( وخيرُكُم من تعلمَ القرآن ) ).