فهرس الكتاب

الصفحة 3184 من 1

لكن أرجوا ألا تسيؤا فهمي.. إن التقدم الذي أحرزه الفرنجة تقدم باهر.. وإننا نحن المسلمون الواثقون لا يخيفنا هذا التقدم فقد حققنا مثله في تاريخنا. ثم إن في الغرب نفسه أمراض تكاد تفتك به، وتعرفون قصة الأمراض الجنسية عندهم... والأرض لله يورثها من يشاء، ولا بد أن تسقط حضارته لقمة سائغة في أفواه أهل الله يوماً ما، ونسأله - تعالى -أن يعجّل في هذا. وعلى كل حال لا يهمنا ما سيحدث في حياتنا القصيرة، فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة.

أعود فأؤكد أن الخطر هو في تربية الفرد والمجتمع بشكل لا ينبهر فيه بالإنجازات الحضارية الغربية، ولابد لنا من أن نحمي أنفسنا من سلبيات الغرب وأن نستفيد من إيجابياته. وهذا لا يتم إلا بتطوير الضوابط والأحكام اللازمة لهذا العصر. إن الشريعة الباهرة استطاعت أن تعيش أربعة عشر قرناً وهي غنية بالأقوال والمذاهب وتتسع للتغيرات. إن الذنب ذنبنا في عدم فهم الشريعة فهماً عصرياً وعدم تأصيل مواقفنا وفق أصول فقهنا المجيد. إن علينا أن نغربل آثار العولمة السيئة لتصبح متماشية مع الشريعة.

قال الثالث:

أعذروني يا إخوتي.. فإن كليكما يتكلمان في خيال لا يتصل بالواقع الذي نعيش فيه، ولا يمكن أن يرفع أمتنا الجريحة مما ابتليت به. ربما يصح بعض الذي تقولون، ولكن لا يهمني هذا. إن الذي يجب علينا أن نفعله هو (( العمل ) )؛ نعم العمل من خلال هذا الواقع المفروض وتسخير كل الوسائل في إحداث تغيير في واقع الناس المرّ.

إن العولمة يا أخوة تحدٍّ وفرصة.. إنها تحدٍ لأن وراءها إمكانات ضخمة وشركات ومؤسسات. ولكن من قال أنه لا يستطاع فعل شيئ؟! ولماذا نتناسى أن عند المسلمين إمكانات ضخمة علينا أن نعرف كيف نسخرها لمصلحة بلادنا ولمصلحة المسلمين. إن علينا الانتقال من التغني بالمبادئ إلى الجهاد في البرامج. ولن ينفعك إذا صورت العولمة وحشاً مخيفاً أو وسيلة مفيدة. إن الذي ينفع هو وضع الخطوات العملية للتأثير فيها. وها هي أقوام أخرى واجهت التحدي وتقدمت نسبياً. إن علينا أن نكون أذكياء ونعرف كيف نخترق الحواجز من خلال الثغرات الموجودة في أي منظومة مهيمنة، وإن الباب الذي تتصورونه أصماً موصداً ليس بكذلك. وإن تضارب المصالح واختلاف المآرب بين الأقوياء يدع فرصة للضعيف أن يعمل بفاعلية تفوق قوته بآلاف المرات.

إن علينا الثقة بأنفسنا والتوكل بالمباشرة بالعمل.. ولن يغنينا مزيد فلسفات فقد شبعنا منها، وإنه لو افترضنا أنها بلسم سحري فإن عامة الأمة تئن في جراحها ولا يمكن أن تسمع لمن لا يستجيب إلى شكواها المباشرة. إن حالتنا إسعافية لا تحتمل التأمل وتقليب وجهات النظر... فلنهبّ جميعاً للعمل في حاجات المسلمين. ولنكن صرحاء، فإنه لن يحل مشاكلنا صلاح النفوس، وإن كان ذلك يسرنا ويباركنا... وكم من قوم ملأتهم الذنوب ووصلوا إلى ما يبغون بالعمل المنظم وبالتخطيط الاستراتيجي. إن الرؤية الاستراتيجية هي تلك التي تكتشف مواقع القوى ونقاط التأثير. وما دامت جهودنا محدودة فإن أولى بها أن توظف في تلك المواطن الحساسة.

إن من شأننا أن نتعلم المهارات الحديثة ونتقن العلوم ونصل إلى أعلى المراتب في المنظومة العالمية وأن نبني المؤسسات الموازية. وهذا عين الواقعية، ولا يفل الحديد إلا الحديد. إن علينا أن نبني مؤسسات على طراز حديث يناسب العصر ومنطقه. ولقد أشار الأخ الفقيه الى خطورة الإعلام، ولا يخفى على أحد أثر صناعة الأفلام وما شابهها. إنها الخطاب الذي يصل كل بقعة في العالم ويشكل ويصوغ أذهان وعواطف الصغار والكبار. وهذا مثال جيد على جبهة حساسة يمكننا المواجهة فيها بشكل قوي.

بل دعني أشير إلى أن التفكير الاستراتيجي يذهب إلى أكثر من هذا بحيث يموقع نفسه ليستفيد من حركة الغير ولو لم يكن صديقاً، ويترقب القوى التي تمشي إلى طريق الارتطام لتسنح فرصة التسلل إلى مواقع أعلى والقفز إلى مشارف لم يكن يُطمع بها. ولنتذكر أولاً وآخراً أن هذه الدنيا لا تسير وفق حسن النيات ولا شطحات العقول وإنما تدفع بالحرب والمكر والخديعة.

قال الرابع:

مهلاً يا إخوتي، ولماذا تختلفون بهذا الشكل؟ وإني لطالب علم أحاول أن أجد في طرح كل منكم ما يمكن الاتفاق عليه؟ إن النظرة التاريخية تفتح العيون وتحرك العقول حقاً، فلا بد أن نفهم العولمة ضمن منظور زمني ممتد يحيط بأبعاد هذا المشروع الحضاري المحكوم برؤية كلية وتتصور وفهم مخصوص للوجود والكون. وبالطبع فيجب أن لا ينقلب هذا الكلام العميق إلى سبحة تعفي من العمل المبصر بعيد الرؤية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت