فهرس الكتاب

الصفحة 3154 من 27364

لا تلتقي نخب منتدى دافوس للمتاجرة المباشرة (حتى وإن كانت إمكانات الحصول على عقود متوفرة) ولا تحتكم على جدول أعمال محدد لا مجال للالتئام إذا استنفذت بنوده وفض اللقاء، ولا تلتقي لغرض الحوار من أجل الحوار... لا نعتقد أنها تلتئم لهذه الأغراض (حتى وإن كانت غير مستبعدة) ... إنها تستهدف غايتين اثنتين لا طبيعة براغماتية مباشرة بصلبهما:

* فهي تتغيأ"إثارة وعي"المسيرين السياسيين والاقتصاديين المجتمعين (سيما الأعضاء الجدد ضمنهم) إزاء الشروط العامة والآليات القمينة بتصريف فلسفة العولمة القائمة (أو المراد لها القيام) ونشر المبادئ النيوليبيرالية التي تبني لها في الشكل كما في الجوهر.

إنها تتغيأ نشر"القيم"الكبرى التي تبني لذات الفلسفة المنظومة والسياق وتحدد لها الأدوات والسبل.

*وهي تتطلع لنشر"تمثل للعالم"كما تؤمن به أو يبدو لها أنه"الأسمى"قياسا إلى تمثلات أخرى تخال لها أنها من مرتبة دنيا أو لا قيمة لها حتى.

إنه تمثل للعالم يدفع بأطروحة وجود"مصلحة عامة كونية"للكل واجب الدفاع عنها والدفع بها حتى في تباين بنيات الدول والحكومات واختلاف مستويات التنمية الاقتصادية التي بلغتها.

بالتالي، فنخب العولمة بالحالة الأولى كما بالثانية، إنما تعبر عن"أممية لرأس المال"من الواجب توسيع فضاء إشعاعها لتطال شتى بقاع الأرض.

هي كذلك دون شك، لكنها أيضا"أممية للفكر الواحد"لا يتراءى من بديل عنها إلا ضرورة السير في ركبها وتطويع البنى والمؤسسات، الأفراد والجماعات كي لا تبقى عصية على صهر ما تنتجه ذات الأممية من أفكار وتصورات، من معتقدات وسلوكيات ... حتى الشاذ منها، الغير قابل للتطبيق بفضاءات أخرى لها ذاتيتها وخصوصياتها.

ولئن لم يكن يصدر عن منتدى دافوس قرارات ذات صبغة تنفيذية أو محمية بقوة قاهرة تستلزم تطبيقها، فإنها أفكار وتصورات غالبا ما تعمد المنظمات الدولية الكبرى إلى ترجمتها ببرامجها وسياساتها لتغدو تدريجيا ولكأنها تتوفر على منطوق الإكراه البدني بالنسبة لدول العالم وحكوماته وشعوبه.

لا يستطيع أحد أن يتجنب الاعتقاد بأن المنتديات العالمية الكبرى (وفي مقدمتها منتدى دافوس السنوي) إنما هي وبكل المقاييس"سلط خفية"وإلى حد بعيد موازية لسلطات الدول والحكومات.

إنها سلط"ناعمة"تدفع بمنطق أولوية الفكر ومركزية النقاش والحوار، لكنها لا تفتأ تضحو سلطة خشنة عندما تتحول ذات الأفكار ومواضيع ذات النقاش والحوار إلى سياسات اقتصادية واجتماعية قد لا يسلم منها الفرد ولا الجماعة.

لهذا الاعتبار (ولربما دون سواه) تتزايد المعارضة بشأنها وترتفع أصوات المناهضات ضدها والاحتجاج على اجتماعاتها من لدن العديد من منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن البيئة وعن حقوق الإنسان وعما سوى ذلك.

والحقيقة أن مسلسلات مناهضة المنتديات العالمية من قبيل منتدى دافوس إنما تتأتى من ثلاثة اعتبارات تعود بانتظام وقوة كلما تسنى لهذه المنتديات الانعقاد أو تم التعرف على مكان إقامة"ضيوفها":

* الأمر الأول ويتعلق بطبيعة هؤلاء وصفتهم ومستوى الانتداب لديهم للنطق باسم هذه الجهة أو تلك.

فعلى الرغم من وجود رؤساء دول وحكومات منتخبين يعبرون (على المدى القصير تحديدا) عن سياسات بلدانهم، فإن الغالبية العظمى من هؤلاء غير مخولين (على المدى الطويل) لصياغة"سياسات الكون"ولا لهم الصفة الشرعية للتقرير باسم مئات الملايين من البشر الذين هم مادة ذات السياسات ومكمنها بداية وبنهاية المطاف.

إن الذي غدا يقرر مكان هؤلاء وبالنيابة عنهم، على المدى القصير والمتوسط، إنما هي الشركات المتعددة الجنسيات التي تدغم مصالح العالم في مصالحها. وهي الدول الكبرى التي عبر هذه الشركات او غيرها، تصيغ سياسات لأفراد وجماعات لم تنتدبها لذلك و لا فوضت لها أمر النطق باسمها.

إنها مسألة مشروعية لطالما دفع بها مناهضو هذه المنتديات ونددوا بمبدأ الوصاية الذي يجره خلفه شكلا ومضمونا.

* الأمر الثاني ويرتبط بالنخبوية الكبيرة التي تطبع ليس فقط صفة الحاضرين بمنتجع دافوس (من الرئيس الأمريكي إلى آخر رئيس بإفريقيا) بل وأيضا مداولاتها وما يصدر عنها من بيانات وتوصيات.

إنها بالمحصلة ملتقيات لا يبعث القائمون عليها بدعوات الحضور (فما بالك بالحديث أو المحاضرة) إلا للذين يتبنون نفس المنظومة الفكرية أو طال بهم مدى رفضها فاضحت القابلية لديهم قائمة للانضمام إليها.

إنها تشبه نوادي الشركات والمؤسسات القطرية التي لا يدخل في عضويتها إلا العاملون بها أو المتعاطفون مع تصوراتها أو الذين لهم صلة بذلك من قريب أو بعيد.

* أما الأمر الثالث فيكمن في غياب الشفافية الذي يميز أعمال هذه المنتديات (وهي في خلوة بجبال الألب) يخال للمرء معها أن الذي يحاك هناك إنما هو مؤامرة على الكون يتواطؤ الفاعل في خضمها مع المفعول به زمنا وفي المكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت