إن التجارب الأممية المعاصرة أثبتت أن استئثار فئة من المجتمع بالمناصب والثروات وحرمان الآخرين، قد أوجد نظام الطبقيات المقيتة بكل سوءاتها الاجتماعية، ومخلفاتها التصادمية، وفي حالة المجتمعات الشيوعية والرأسمالية على حدٍ سواء أصدق الشواهد على صحة ما نقول، فكثيرًا ما تحدث حالات الاعتداء على الآخرين، أو إتلاف الممتلكات العامة دون مبرر واضح إلا شهوة الانتقام والتنفيس عن الأحقاد الدفينة تجاه الجميع.
5-نشوء الجريمة الارتجالية والمنظمة:
وهذه الفقرة لها أشد العلاقة بسابقتها ولكنها تزيدها توضيحًا شيئًا ما، فأقول إنّ نشأة الأحقاد لدى الطائفة الشبابية وصغار السن بالذات، نتيجة شعورهم بالحرمان، واستئثار الآخرين بالثروات دونهم مع شعورهم بقوتهم البد نية، وطاقاتهم الجسمانية المعطلة، سيدفعهم إلى استغلال قدراتهم تلك في الاستيلاء على بعض ما عند الآخرين بالقوة عبر الجريمة الارتجالية، أو المنظمة أو حرمانهم منها من خلال تصفيتهم جسديًا، وقد أصبحت الجريمة بشقيها الارتجالي والمنظم مصدر القلق الأول، الذي يعكر صفو حياة القوم، فوق ما هم فيه من الضنك والتعاسة، ولا يبدو في الأفق أي بوادر انفراج في أزمة الأمن هذه بل العكس هو الصحيح، فإن معدلات الجريمة آخذة في الارتفاع بسرعة، وبنسبٍ عالية للغاية، سيما مع التطور المذهل في تقنية الاتصالات، وابتكار الشبكة العنكبوتية التي سهلت لشبكات الإجرام العالمية نفث سمومها، وعرض خبراتها وتجاربها القبيحة في مجال الجريمة والابتزاز!!
6-ارتفاع نسب الانتحار:
لقد صاحب موجة الإلحاد العالمية التي اكتسحت، ولا تزال أنحاء متفرقة من العالم المعاصر أن ضعف جانب الوازع الديني، حتى عند قطاع من المسلمين المتأثرين بالثقافات الأجنبية الوافدة، مما أدى إلى نشأة الأنماط السلوكية الشاذة، حتى بلغ الأمر إلى تصفية الذات تصفيةً مباشرة بالانتحار عند وصول الضحية إلى حالة من اليأس والقنوط، من إمكانية تصحيح وضعه الاجتماعي، أو تحقيق شيءٍ من آماله المعيشية والأسرية، مما يدفعه مع ضعف الإيمان - إلى وضع حد لحياته ومأساته بزعمه والله المستعان!
7-ارتفاع معدلات السرقة على وجه الخصوص:
لا يشك أحد أن أقوى دوافع السرقة هو الحاجة والحرمان، فالسارق - عادة وغالبًا- إنسانٌ محتاج ومحروم - مع ضعف الديانة -، والبطالة بلا شك، واحدة من أهم أسباب ودوافع السرقة، سيما حين تعطل الحلول الشرعية الجادة القادرة على احتواء مشكلة البطالة، وتجاوز أزمة العاطلين عن العمل بتوفير أسباب الحياة المعيشية الكريمة، بفضل توفر السيولة المالية الكافية عبر مصرف الزكاة الشرعية، ناهيك عن رابطة التكافل الاجتماعي بين أبناء المجتمع التي أمر بها الدين الحنيف.
8-شيوع المخدارت وانتشار المدمنين:
تبقى المخدرات عدوًا متفقًا عليه لدى جميع الدول - ولو من الناحية الظاهرية - وذلك لما لها من الآثار المدمرة للفرد والجماعة، ومع ذلك ظلت تجارة المخدرات وتعاطيها في ازدياد مريع وسريع، لأسبابٍ كثيرة ليس هذا موطن ذكرها ويكفينا منها هاهنا سببان:
أولاهما:
أن لجوء البعض إلى المخدرات هو الرغبة في الهروب من الإحساس بالواقع، واطرح الهموم والإغراق في الخيال ونحوها من الترهات، والأوهام التي يصنعها الشيطان في أذهان هؤلاء المساكين من فاقدي الإيمان، واليقين برب العالمين، وذلك كله نتيجة لحالة الفراغ والبطالة السائدة في المجتمعات، وافتقاد هؤلاء المرضى فرص العمل والاسترزاق.
ثانيهما:
الرغبة الجامحة في إيجاد مصادر دخل، بعد أن أغلق المجتمع أبواب العمل المشروع، وقلص فرص الكسب الكريم، وأبطل نظم التكافل الاجتماعي التي جاء بها الإسلام، مما دفع هؤلاء إلى اقتحام مجالات تكسب غير مشروعة، فكان طريق الإتجار بالمخدرات هو أسرع الطرق إثراءً وأكثرها جاذبية.
9-العزوف عن الزواج بسبب العجز عن المئونة:
لا يخفى أن الزواج في عصرنا الراهن قد أصبح مكلفًا للغاية، بحيث لم يعد ممكنا إلا لفئةٍ محدودة من الناس، قادرةً على النهوض بأعبائه الثقيلة أو لفئة أخرى لديها الاستعداد لتحمل الديون وإراقة ماء الوجه، بحثًا عن مغامرين يقبلون إقراضهم لوجه الله أو تحمل أقساط شهرية باتباع طريقة التورق وغيرها.
وهذه التكاليف الباهظة للزواج أدت بالطبع إلى عزوف عام عنه، مما أدى إلى ارتفاع نسبة العوانس بشكل مثير للقلق حقًا، فضلًا عماّ يترتب على هذه النازلة من الأزمات الأخلاقية الماحقة، كانتشار الزنا ودور البغاء وكثرة اللقطاء عياذًا بالله، وما يصاحب هذا وذاك من المآسي الاجتماعية والصحية وغيرها.
[1] حراسة الفضيلة (82) .
26/5/1426 هـ