وتتفق كل الدراسات لتاريخ النصرانية في العراق على أن هذه الكنيسة لاقت بطشاً مستمراً من الكنائس الغربية طوال تاريخها، وأنه بسبب خيانات بعض النصارى العراقيين لدولة الخلافة الإسلامية وموالاتهم للجيوش الغربية؛ كان يعطى المسوِّغ دائماً لدولة الخلافة أن تمنح حق الرعاية على غير المسلمين للحكومات الغربية المشابهة لهم دينياً؛ مما ساعد على استبداد الكنائس الغربية كثيراً بالكنائس الوطنية والضعيفة.
وتقول الباحثة النصرانية (نينب أمرايا) في دراسة لها غير منشورة: «إن الدولة العثمانية بهذا القرار؛ مهدت السبيل أمام الإرساليات التنصرية الغربية ليجعلوا من نصارى العراق السريان غنيمة تنهب منها كل كنيسة غربية على قدر ما تستطيع عن طريق شراء الذمم، مستغلة الحصانات الدبلوماسية، وممارسة الاضطهادات، والحصار الاقتصادي لنصارى العراق الأصليين، لإجبارهم على الاحتماء بهذه الإرساليات حفاظاً لحياتهم؛ لقاء اتباع مذهب الكنيسة التي ستتولى الحماية، فكان الثمن المدفوع خلال القرن التاسع عشر وحده، دماء أكثر من ثلاثة ملايين سرياني في مجازر صليبية غربية عنيفة، تحت عين وبصر دولة الخلافة، كان أشدها عنفاً ما حدث عام 1914 ـ 1915م؛ مما أجبر عشرات الألوف على الهجرة إلى روسيا وسوريا والأردن وتركيا وأمريكا وأوروبا وأستراليا» .
وتقول الباحثة نينب أمرايا: وهكذا استطاعت تلك الإرساليات الصليبية الغربية أن تمزق أبناء شعبنا إلى مذاهب دينية جديدة هي:
1 -سريان كاثوليك.
2 -سريان أرثوذكس.
3 -سريان إنجيليين.
أما الذين حاولوا الحفاظ على هويتهم العراقية باسم (الكنيسة السريانية الشرقية القديمة) ؛ فقد استطاعت الفتنة شقهم إلى ثلاث طوائف:
1 -الكلدان الكاثوليك.
2 -الكلدان الإنجيليين.
3 -أتباع الكنيسة الكلدانية الشرقية القديمة الذين ظلوا على عقيدتهم الأولى.
وتضيف دراسة (نينب أمرايا) التي بثتها الكنيسة الآشورية على شبكة الإنترنت مع أول يوم للاحتلال الأمريكي؛ قائلة: «مع كل هذه الأجواء المشحونة والملتهبة؛ تأتي مجموعة كبيرة من رواد النهضة القومية، متخذين من الصحافة والعلم والسلام نهجاً ثابتاً لنشر رسالة أمتهم القومية، مؤكدين (وحدة الشعب الآشوري) بكل مذاهبه الكنسية الطائفية، وحق أمتهم في الوجود، وممارسة حقوقه المشروعة في أرض آبائه وأجداده» .
وتجاوز البيان الآشوري في أحلامه؛ مشيراً إلى تاريخ الكفاح من أجل عودة العراق كله إلى الكنيسة الآشورية القديمة، جاء فيه: (لقد وقف ممثلو الشعب الآشوري عام 1919م في مؤتمر الصلح في باريس مدافعين عن حق الوجود القومي الآشوري، ومن ثم معاهدة «سيفر» التي أبرمت في فرنسا عام 1920م، ومعاهدة «لوزان» بسويسرا عام 1924م، والتي نصت صراحة على الحق القومي للشعب الآشوري في أرض وطنه بالتعاون مع الحكومات الوطنية، ثم تلتها اللجنة الهنجارية البلجيكية عام 1925م التي اقترحت ضم الموصل في الجنوب إلى العراق، وضم(هكاري) في الشمال إلى تركيا، مع المحافظة على الحقوق التاريخية القديمة التي كان يملكها الآشوريون، وحق المهاجرين منهم في العودة إلى ديارهم في (هكاري) ، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث، بل تفاقمت الأمور إلى حد ارتكاب واحدة من أبشع المذابح في العام 1933 في منطقة (سميل) ، التي أودت بحياة أربعة آلاف آشوري من مختلف الأعمار التي حيكت مؤامرتها من قبل الكنيسة الإنجليزية وحكومتها، بالتعاون مع الحكومة الملكية العراقية الموالية لها حينذاك).
ولأننا لا نملك حق المشاركة في القرار، وقد سفكت صواريخ وقنابل أمريكا دماء آلاف ممن كان لهم حق المشاركة في الرأي، وأحكمت بعتادها العسكري السيطرة على مقدرات البقية الباقية، كما أن سجون الحكومات العربية أصبحت مسكناً لمن حاولوا أو يحاولون ممارسة حق الفكر أو الفهم بشأن العراق والمسلمين؛ فإن السكوت أصبح هو خير ملاذات العصر، ويكفينا سعادة وحبوراً أننا لم نحرم من المشاركة في المشاهدة، وتطبيع المشاعر مع صورة الدماء الفضائية النازفة من أجساد المسلمين في كل أرض، في انتظار نتائج هجمة التنصير الجديدة على العراق المسلم.