فهرس الكتاب

الصفحة 24487 من 27364

ولكن الأمر ليس بهذه البساطة فإذا أردنا أن نكسب طرح (هنتنجتون) مصداقية فكرية أكبر لجاز لنا القول إن اختراع وتصور الأعداء والخصوم المستقبليين بعد زوال خصوم الماضي يدل على رغبة عارمة لإثبات الذات والهوية، ولا يتأتى هذا إلا بمثول منافس وخصم عنيد أمام هذه الذات والهوية تثبت وجودها وجدارتها في الوقوف أمامه والتسابق والتنافس ثم الصراع معه، ولعل (هنتنجتون) هنا يعيد بوعي أو بدون وعي مقولات (هيجل) المشهورة في الفكر الغربي حول الذات والآخر وإثبات الذات لوجودها فقط من خلال الصراع مع الآخر. وهناك جانب ثقافي عملي آخر لعملية اختراع الخصوم أو الأعداء وهو محاولة بث الحيوية والنشاط واستنهاض الهمة في الحضارة الغربية بالتحذير من وجود أعداء خطرين على الأفق والتلويح بهم؛ ذلك أنه قد ساد الإحساس في العقود الأخيرة وبالذات في دوائر السياسة والأكاديمية الأمريكية اليمينية المحافظة بأن الحضارة والثقافة الغربية تتعرض للانهيار والتدهور والتآكل من الداخل لا سيما على المستويات الأخلاقية والإنتاجية (بل لقد اتخذ انهيار الكتلة الشرقية نفسه على أنه من علامات هذا الانهيار) ، وإزاء هذا التصور المقلق بوجود تدهور ذاتي داخلي في هذه الحضارة كان رد الفعل الطبيعي بالنسبة للدوائر المدافعة عنها هو اختلاق عدد خطير وتحد كبير يقف خارج هذه الحضارة والتلويح بهذا الخطر والعدو كوسيلة لحث واستشارة طاقات الفعل والاستجابة والنهضة الثقافية عند أبناء الحضارة الغربية ليتجاوزوا الضعف والتآكل.

يمكن القول من هذه الزاوية: إن مقولة صراع الحضارات لها جانب قد نسميه بالسياقي، ونعني به: أن لها دوافعها وبواعثها في إطار السياسات والأوضاع الثقافية في الغرب وبالتحديد لدى دوائر أمريكية ذات نفوذ تريد الحفاظ على الهوية الحضارية الغربية وتجديد حيويتها وقدراتها النزالية التنافسية بطرح خصوم المستقبل الألداء، وإفهام أبناء الحضارة أنه إذا كان العدو السوفييتي وكتلته قد زالا فإن هناك على الأفق من الخصوم الأشد (وهم على المستوى الحضاري ذاته) الذين ينبغي الحذر منهم، والاستعداد لدفع كيدهم، والتقوي والنهضة لاحتمالات المنافسة والصراع معهم. ولكن إثبات الذات والهوية في وجه تحدي الآخر قد لا يكفي هو الآخر لتفسير مقولات (هنتنجتون) واستقصاء جوانبها وأبعادها لا سيما أن الآخر المطلوب التحذير منه ليس كله وهماً مختلقاً بل له صفات تستحق التأمل فيها. إن قائمة أعداء وخصوم متنافس الغرب تستحق الدراسة.

وأول ما يلفت النظر في هذه القائمة أنها ليست على مستوى واحد من الطرح فهي تجمع بين خصوم واقعيين فعليين قائمين (الحضارة الآسيوية الناهضة أو البوذية أو الصينية اليابانية) وخصوم محتملين ليسوا سوى إمكانية قد تتحقق أو لا تتحق (الخصم الإسلامي) كما تخلو منها أسماء حضارات وثقافات قائمة ذات قوة نووية مؤكدة وقوة اقتصادية ذات إمكانات قوية (الهند، إسرائيل، البرازيل، جنوب أفريقيا وكتلة الدول الموالية) ، فلماذا نجد في مقولة صراع الحضارات قوى قائمة ومؤكدة قد وضعت بجانب قوى محتملة على قائمة الخصوم؟ ثم لماذا تخلو القائمة من قوى أخرى مؤكدة؟ قد يقال في تفسير هذا الأمر الأخير أن تلك القوى المحذوفة لا تمثل خطراً على الحضارة الغربية في المستقبل حتى لو تسلحت بالأسلحة الذرية وملكت زمام القوى الاقتصادية الكبيرة، فالعلاقة مع إسرائيل اليهودية أوضح من كل بيان؛ والبدهي أن أمريكا تعتبر هذا الكيان امتداداً لها وسط الساحة العربية الإسلامية؛ فإسرائيل قوة مضافة لصالح الحضارة الغربية حتى ولو كانت يهودية الدين سامية الأصل عبرانية اللغة شرق أوسطية الموقع، فهي بمثابة الطليعة الزاحفة للجيش أو الحصن المتقدم. أما البرازيل فربما يقال إنها بنت الغرب بدينها الكاثوليكي ولغتها البرتغالية وتلاحمها الاقتصادي العضوي مع قارتها التي تعتبر من لواحق الغرب. ولا ننسى أن مقولة (هنتنجتون) تقيم أساسها على أطروحات العرق والأصول الأوروبية، وينطبق الشيء نفسه على جنوب أفريقيا حتى على الرغم من الكلام الكثير الذي قيل حول إنهاء نظام سيطرة الأقلية البيضاء؛ لكن البلاد تبقى مرتبطة بالحضارة الغربية على مستويات أعمق من العرق هي اللغة والمسيحية والاقتصاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت