إن رفع شعار التسامح والصفح مع الكفار اليوم ليوضع في غير موضعه، لأن في ذلك خلط وتلبيس وتضليل، حيث تسمى الموالاة والمداهنة للكفار تسامحاً ومداراة، وفرق كبير بين المداراة والمداهنة التي فيها تصحيح مذاهب الكفار أو السكوت عليها، وإظهار المحبة لهم ونسيان عداوتهم وحربهم للمسلمين في القديم والحديث، (إن الذين كفروا من أهل الكتاب هم الذين ألبوا المشركين على الجماعة المسلمة في المدينة، وكانوا لهم درعاً وردءاً، وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين شنوا الحروب الصليبية خلال مائتي عام، وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس، وهم الذين شردوا المسلمين في فلسطين، وأحلوا اليهود محلهم متعاونين في هذا مع الإلحاد والمادية ، وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين يشردون المسلمين في كل مكان، في الحبشة والصومال وأرتيريه، ويتعاونون في هذا التشريد مع الإلحاد والمادية والوثنية في يوغسلافيه والصين والتركستان والهند، وفي كل مكان، وهم الذين قتلوا أهلنا ونسائنا وأطفالنا في أفغانستان والعراق، ثم يظهر بيننا من يظن أنه يمكن أن يقوم بيننا وبين أهل الكتاب هؤلاء ولاء وتناصر ندفع به الإلحاد والإرهاب، إن هؤلاء لا يتدبرون القرآن الكريم، وإلا لما اختلطت عليهم دعوة السماحة التي هي طابع الإسلام بدعوة الولاء الذي يحذر منه القرآن.
إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية يخطئون في فهم معنى الأديان، كما يخطئون في فهم معنى التسامح، فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله، والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي، ولا في النظام الاجتماعي.
إنهم يحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم، بأن الله لا يقبل دينا إلا الإسلام ، وبأن عليه أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام، ولا يقبل دونه بديلاًَ، ولا يقبل فيه تعديلاً -ولو طفيفاً- هذا اليقين الذي ينشئه القرآن الكريم، وهو يقرر (( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) ) (آل عمران: 19) .
(( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) ) (آل عمران: 85)
(( وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ ) ) (المائدة: 49) (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) ) (المائدة: 51) .
وفي القرآن كلمة الفصل، ولا على المسلم من تميّع المتميعين، وتميعيهم لهذا اليقين ) ، ]طريق الدعوة: أحمد فايز ، بتصرف يسير.[
* ومما ورد في بيانهم الختامي أيضاً قولهم في تعريف الجهاد: ( هو بذل الجهد في تحقيق الخير ودفع الشر، علماً أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي السلم، والحرب حالة طارئة شرعها الإسلام لدفع ورفع الظلم والعدوان) .
أهذا هو تعريف الجهاد وبواعثه في الإسلام ؟
إن المتدبر لكتاب الله عز وجل وسيرة الرسو صلى الله عليه وسلم ليتبين له وبوضوح أن الجهاد شعيرة عظيمة من شعائر هذا الدين، وهو إنما شرع رحمة بالبشرية الضالة بعامة، وبالمسلمين بخاصة، فالجهاد غايته كما قال الله تعالى (( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ) ) (الأنفال: 39) .
إن المتأمل لهذه الآية ليدرك أن الجهاد لم يشرع لدفع ورفع الظلم والعدوان فحسب، نعم هذا هو جهاد الدفع، وإنما شرع أيضا لإيصال الحق والتوحيد والهداية للناس في بقاع الأرض ليكون الدين كله لله؛ لأن سنن الله عز وجل اقتضت أن يكون الصراع بين الحق والباطل، وأن المسلمين وهم يبلغون دين الله تعالى للبشرية سيواجهون من يقف أمامهم للحيلولة بين الناس من ورائهم، وبين أن يصل إليهم هذا الدين، وحينئذ شرع الجهاد بالسيف لإزالة هذه الحواجز من طواغيت الأرض من طريق الحق، حتى يصل الحق الواضح البين إلي قلوب الناس، ويخضع الجميع لدولة الإسلام، وحينئذ لا إكراه في الدين لأنه قد تبين الرشد من الغي، وحين يكون الدين في البلاد المفتوحة من قبل المسلمين لله عز وجل، يختار أهل هذه البلاد إما الإسلام أو دفع الجزية والعيش بأمان في ظل الدولة المسلمة، وهذا هو جهاد الطلب الذي لولاه لما وصل إلينا الإسلام في بلادنا، ولما انتشر الإسلام في بقاع الأرض، وهذا ما أغفله المجتمعون في حوارهم الوطني وهم يعّرفون الجهاد .
فهلا سألوا أنفسهم ما لذي جعل المجاهدين الأوائل من الصحابة والتابعين يفتحون البلدان النائية كفارس والروم وخراسان وسمرقند والهند والسند. هل تعرض المسلمون لعدوان من أهل هذه البلاد ؟ أم أن المسلمين كانوا يرون أن من واجبهم إيصال هذا الدين إلي العالمين رحمة بهم، فإذا اعترض أحد يعيقهم عن نشر هذا الدين أزاحوه بالسيف إن لم يزح بغيره، حتى يكون الدين كله لله، ويخضع الجميع للدولة المسلمة .