الاستعمال الثاني: وهذا الاستعمال في تعريف مصطلح ( نحن) و (الأخر) هو المشهور عالمياً عند كل من يطرحه من المهزومين من المسلمين في حواراتهم وأعمدتهم الصحفية، وملتقياتهم ، ويفيد هذا المصطلح عندهم بأن (نحن) تعني المسلمين و (الأخر) من سواهم من غير المسلمين من الكفار والمنافقين، وفي هذا الطرح المنهزم من المؤاخذات العقدية ما يلي:
أولاً: العدول عن الأسماء والمصطلحات الشرعية التي جاءت في كتاب الله عز وجل وفي سنة نبي صلى الله عليه وسلم إلى أسماء ومصطلحات بشريه غامضة، ونحاتات أفكار واهية أفرزتها عقول مهزومة فاستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتركت ما أسماه الله عز وجل من الأسماء المنطبقة على مسمياتها في كتابه سبحانه وتعالى، حيث قسم الناس إلى حزبين: حزب الله المؤمنين وحزب الشيطان الكافرين، قال الله عز وجل (( اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ) ) (البقرة: 257) .
فليس هناك (نحن والأخر) وإنما هناك (المسلمون والكافرون) ، قال تعالى (( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ُ ) ) (الحج: 78) .
وقال تعالى (( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ) ) (التغابن: 2) وقال تعالى: (( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) ) (المائدة: 72) .
والآيات في ذكر الكفر والكافرين كثيرة جداً، جاء ذكرها في ما يزيد على 352 موضعاً، فلماذا التحرج من كلام الله عز وجل الذي هو أحسن الحديث وأصدقه وأفصحه (ومن أصدق من الله قيلا) (ومن أصدق من الله حديثاً) .
إن من يتحرج من كلام الله عز وجل وتسمياته، ويرتاح لكلام البشر ومصطلحاتهم ومسمياتهم يخشى عليه أن يكون تحت طائلة قوله تعالى: (( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) ) (الزمر: 45) .
لقد نهى الله عز وجل نبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه من بعده من أن يكون في الصدور حرج من الصدع بكل ما جاء في القرآن من أسماء وأحكام، وعقائد وقصص وأخبار، بل الواجب اتباعه فقال تعالى: (( المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ *اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ) ) (الأعراف: 2) .
وعند هذه الآية يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (والله تعالى رفع الحرج عن الصدور بكتابه، وكانت قبل إنزال الكتاب في أعظم الحرج والضيق، فلما أنزل كتابه؛ أرتفع به عنها ذلك الحرج، وبقي الحرج والضيق على من لم يؤمنوا به، كما قال تعالى:(( فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ) ) (الأنعام: 125) (الصواعق المرسلة: 4/1518؟) .
ويقول أيضاً في موطن أخر: (ولا تجد مبتدعاً في دينه قط إلا وفي قلبه حرج من الآيات التي تخالف بدعته، كما أنك لا تجد ظالماَ فاجراَ إلا وفي صدره حرج من الآيات التي تحول بينه وبين إرادته، فتدبر هذا المعنى ثم أرض لنفسك بما تشاء) ا.هـ ]الفوائد ص90[.
فهل بعد هذه الآية وقول هذا الإمام الجليل فيها من عذر لمعتذر يجد في نفسه حرجاً أو ضيقاً أو حياءً من الصدع بالحق الذي في كتاب الله عز وجل، أو أن يستبدل به نحاتات الأفكار وزبالات الأذهان من كلام البشر ؟ .
وأسوق في هذا المقام رداً نفيساً لفضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى على الذين استبدلوا مصطلح (نحن والأخر) بما في كتاب الله عز وجل ( المسلم والكافر) :
يقول: وفقه الله تعالى (وقد وضع الله فوارق بين المؤمنين والكفار في الدنيا والآخرة، ونهى عن التسوية بين الفريقين، وجعل لكل فريق جزاء وأحكاماً في الدنيا والآخرة، ووضع لكل فريق اسماً مميزاً كالمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمشرك والموحد، والفاسق والمنافق، والمطيع والعاصي، ونهى عن التسوية بين المختلفين في هذه الأسماء والسلوكيات فقال سبحانه: ) ) أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (((الجاثية:21) .
وقال تعالى (( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) ) (ص:28) .