كثيراً ما ترد على الأذهان مسألة تتصل بنهاية الجدل والمناظرة , وفي هذا المبحث يمكن التفصيل من جهتين:
الأولى: النهاية الطبيعية للجدل والمناظرة باعتبارها حدثا ينتهي وقته المحدد، أو ينتهي التناظر فيه لانتهاء المتناظرين وتسليم أحدهما للآخر .
فإذا كان التسليم هو نهاية المناظرة فإن المتوقع ظهور الحق وتسليم المخالف له، وهو الغالب بفضل الله لأن الحق يعلو ولا يعلى عليه , لا سيما مع توافر الأسباب التي أشير إلى شيء منها في المبحثين السابقين , وهذه الظهور للحق من أعلى درجات إقامة الحجة على المخالف , وغاية عمل الداعية ومسؤوليته , ولا يستلزم ذلك بالتأكيد التزام المخالف للحق الذي سلم به , إلا في حالات يكون فيها هذا الالتزام شرطاً مسبقاً بين الطرفين بعضهما أو أمام طرف ثالث راع لمناظرتهما .
وإذا كان التسليم لا يعني بالضرورة الالتزام بنتيجة المناظرة والجدل ؛ فإن أقل ما فيه ظهور الحق للخلق وإقامة الحجة بأجلى صورها , وقد حدث ذلك في قصة وفد نصارى نجران مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ابن حجر في فتح الباري:"وفي قصة أهل نجران من الفوائد أن إقرار الكافر بالنبوة لا يدخله في الإسلام حتى يلتزم أحكام الإسلام" (126) .
الثانية: الإنهاء المقصود للمجادلة والمناظرة أو تغييرها إلى أسلوب مواجهة آخر , وهذا أيضاً مظهر آخر من مظاهر واقعية هذا الدين وتشريعاته العظيمة , فليست المناظرات والمجادلات هدفاً لذاتهاً أو ترفاً وعبثاً لا قيمة له بل هي أسلوب يقصد منها إقامة الحجة على الخلق وإظهار الحق والدلالة عليه لمن كان متردداً أو شاكاً فيه .
وهنا لا نعني بإنهاء المجادلة والمناظرة الترك والانسحاب المفاجئ الذي يكون سببه العجز عن المواجهة ، فالعاجز عن المواجهة لا يجوز له التقدم في هذا المقام ابتداء .
وإنما المقصود أن الداعية بذل وسعه وجادل بالتي أحسن وأبان حجته بما لا يدع شبهة لمشتبه , فظهر الحق لكل عاقل ومنصف ، ولكن الخصم ظهر منه أحد هذه الأمور:
أولاً: استمراره - الخصم - في المجادلة بعد قيام الحجة وظهور الحق وجلائه , أو المعاندة والجحود للحق الذي ظهر , فتترك مجادلته أو يدعى إلى المباهلة .
ثانياً: وقوع الظلم من المجادل فينتقل معه من الجدل بالتي هي أحسن إلى غيره .
ثالثاً: بان من المجادل قصد آخر وهو نشر بدعته وباطله وليس طلب الحق فلا يمكن من ذلك بل يواجه بالعقوبات الشرعية الأخرى من الهجر والتعزير , وبخاصة بعد إقامة الحجة عليه بالمجادلة والمناظرة .
وسنعرض إلى هذه المسائل بالتفصيل:
أولاً: استمرار الخصم في المجادلة بعد قيام الحجة وظهور الحق وجلائه , أو المعاندة والجحود للحق الذي ظهر , فتترك مجادلته أو يدعى إلى المباهلة .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في النهي عن الاستمرار في المناظرة إذا كان الآخر معانداً مع ظهور الحق له:
"وقد ينهى عنها إذا كان المناظر معانداً يظهر له الحق فلا يقبله وهو السوفسطائي فإن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة بينة بنفسها ضرورية وجحدها الخصم كان سوفسطائياً ولم يؤمر بمناظرته بعد ذلك بل إن كان فاسد العقل داووه وإن كان عاجزا عن معرفة الحق ولا مضرة فيه تركوه وإن كان مستحقاً للعقاب عاقبوه مع القدرة إما بالتعزير وإما بالقتل وغالب الخلق لا ينقادون للحق إلا بالقهر" (127) .
وقال ابن القيم رحمه الله:"وقد تكون الحجة بمعنى المخاصمة ومنه قوله تعالى: (128) أي قد وضح الحق واستبان وظهر ؛ فلا خصومة بيننا بعد ظهوره , ولا مجادلة فإن الجدال شريعة موضوعة للتعاون على إظهار الحق فإذا ظهر الحق ولم يبق به خفاء فلا فائدة في الخصومة , والجدال على بصيرة مخاصمة المنكر , ومجادلته عناء لا غنى فيه , هذا معنى هذه الآية" (129) .
وقال البيضاوي في التفسير:" ( لا حجة بيننا وبينكم ) لا حجاج بمعنى لا خصومة إذ الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة مجال ولا للخلاف مبدأ سوى العناد" (130) .
وقال الثعالبي:"وقوله ( لا حجة بيننا وبينكم ) أي لا جدال ولا مناظرة قد وضح الحق وأنتم تعاندون وفي قوله ( الله يجمع بيننا ) وعيد بين" (131) .
وقال أبو السعود:" ( لا حجة بيننا وبينكم ) لا محاجة ولا خصومة لأن الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة حاجة ولا للمخالفة محل سوى المكابرة" (132) .
كما يمكن أن ينهى التنازع بالمباهلة وذلك لقطع الاحتجاج فيما لو استمر الخصم بالمجادلة مع ظهور الحق وجلائه .
والمباهلة:"الدعاء على الظالم من الفريقين" (133) وفيها قول الله تعالى: a (134) ، وهي شريعة قائمة .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في قصة أهل نجران:"وفيها مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة وقد دعا ابن عباس إلى ذلك ثم الأوزاعي ووقع ذلك لجماعة من العلماء ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة , ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة فلم يقم بعدها غير شهرين" (135) .