فهرس الكتاب

الصفحة 23922 من 27364

والثاني أن يكون فيه مفسدة مثلما يوجد في كلام كثير منهم من النهي عن مجالسة أهل البدع ومناظرتهم ومخاطبتهم والأمر بهجرانهم , وهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم , فإن الحق إذا كان ظاهراً قد عرفه المسلمون وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته فإنه يجب منعه من ذلك , فإذا هجر وعزر كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ بن عسل التميمي وكما كان المسلمون يفعلونه ؛ أو قتل كما قتل المسلمون الجعد ابن درهم وغيلان القدري وغيرهما ؛ كان ذلك هو المصلحة ، بخلاف ما إذا ترك داعياً وهو لا يقبل الحق إما لهواه , وإما لفساد إدراكه فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة وضرر عليه وعلى المسلمين" (102) ."

أما الإعراض عن المبتدع والمبطل ففيه قول الله تعالى: 103).

قال الإمام القرطبي رحمه الله:"في هذه الآية رد من كتاب الله عز وجل على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية، وذكر الطبري عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه أنه قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله ."

قال ابن العربي: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل، قال ابن خويز منداد: من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر مؤمناً كان أو كافراً، قال: وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم والبيع ومجالس الكفار وأهل البدع وألا تعتقد مودتهم ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم، وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي: اسمع مني كلمة فأعرض عنه، وقال: ولا نصف كلمة ومثله عن أيوب السختياني، وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة وإذا علم الله عز وجل من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له" (104) ."

وفي النهي عن مجادلة المبتدعة ومناظرتهم إذا علم أنها تتسبب في ظهور دعوتهم يقول الإمام اللالكائي رحمه الله:"فما جنى على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة , ولم يكن لهم قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة يموتون من الغيظ كمداً ودرداً , ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلا , حتى جاء المغرورون ففتحوا لهم إليها طريقاً , وصاروا إلى هلاك الإسلام دليلا , حتى كثرت بينهم المشاجرة وظهرت دعوتهم بالمناظرة وطرقت أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة" (105) .

ويقول رحمه الله في مكان آخر:"أخبرنا أحمد بن عبيد قال أخبرنا محمد بن الحسن قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال حدثنا زايدة بن قدامة عن هشام قال كان الحسن يقول: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم" (106) .

وكان الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله يرى أن مناظرة المعتزلة بدعة"لأن السلف كانوا يرون مكالمة أهل البدع ومناظرتهم خطأً وسفهاً ... فلما ظهرت فيما بعد أقوال أهل البدع واشتهرت وعظمت البلوى بفتنتهم على أهل السنة وانتشرت انتدب للرد عليهم ومناظرتهم أئمة أهل السنة لما خافوا على العوام من الابتداع والفتنة" (107) .

المبحث الثاني: ضوابط أثناء المجادلة:

إذا ترجحت مصلحة قيام المجادلة في مقام الدعوة إلى دين الله تعالى فإن هناك عدداً من الأمور التي يجب أن تصحب ذلك , ويمكن أن نجملها في الأمور الآتية

أولاً: أن يحرص المسلم أن يكون جدله شرعياً وقد بينا أن الجدل الشرعي غير مطلق الجدل وأنه هو الوارد مقيداً في كتاب الله تعالى بأن يكون بالتي هي أحسن وهو في معنى المناظرة التي يقصد فيها إظهار الصواب وليس الغلبة والإفحام .

ثانياً: أن يكون الطرف الإسلامي قادراً على المناظرة .

فإذا ترجحت مصلحة قيام المناظرة فلا بد من تحقق شروط القدرة في من سيتولى المناظرة أمام صاحب الباطل والبدعة .

فليس كل من عرف الحق قدر على تعريف غيره به , قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ليس كل من عرف الحق إما بضرورة أو بنظر أمكنه أن يحتج على من ينازعه بحجة تهديه أو تقطعه , فإن ما به يعرف الإنسان الحق نوع وما به يعرفه به غيره نوع , وليس كل ما عرفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به ؛ فلهذا كان النظر أوسع من المناظرة ، فكل ما يمكن المناظرة به يمكن النظر فيه وليس كل ما يمكن النظر فيه يمكن مناظرة كل أحد به" (108)

ويقول رحمه الله:"وقد ينهون - أي السلف - عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة" (109) .

وهذه القدرة أظهر ما تكون في ثلاثة جوانب:

*القدرة العلمية في الموضوع المتناظر فيه .

*القدرة الذهنية والفطنة في سرعة استحضار الأدلة والردود المناسبة .

*القدرة التعبيرية التي تحقق جزالة العرض والاستدلال وبلاغته ووجازته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت